تشكيل - "مذابح الأنوثة" للفنانة الليبية خلود الزوي / مشنقة لوحاتها تفضح الذكورة الوحشية

12 تشرين الثاني 2013 | 00:46

اهتم الفنانون الليبيون في العصر الحديث بالمرأة، منذ تجارب الرسامين الرواد في اربعينات القرن الماضي، وقد شكّل حضورها في لوحاتهم ملمحاً دائماً، بلباسها التقليدي وبمكملات جلوسها في البيت، بحليها وحنائها، وبما توحي به من استقرار وسلام وحب ومن شهوات.

تأثير فنون الاستشراق واعمال الرومنطيقيين والانطباعيين الاوروبيين اعطى المرأة الليبية حضورها الكبير في لوحات رسامي ليبيا الحديثة، التي كانت في غالبها اعمالاً لرسامين رجال، اهتم عدد كبير منهم برسم تفاصيل الحياة الليبية الريفية والبدوية وداخل بيوت المدن حيث النساء دائمات الحضور والاثر.
خلود الزوي واحدة من جيل الفنانات الليبيات اللواتي برزن في السنوات الأخيرة من القرن العشرين. وقد تميزت بداياتها بالقلق، فأظهرت اصراراً على التعمق ابعد من السطح ومن التصوير الفولكلوري للمرأة الليبية المستريحة الهانئة في البيت، فكانت لوحاتها الاولى تغلي غليانا داخل قدر كاتم نحس به ولا نراه! في اعمالها الاخيرة تتحرر خلود الزوي من ظلام القدر الكاتم وتقول حقيقة نساء ليبيا المستقرات الهانئات. تصوّرهن في مجموعة لوحات هي تفاصيل لوحة واحدة يمكن تسميتها بـ"عذابات الانوثة وتفاصيل اعدامها"، وقد تكون خلود الزوي بهذه الاعمال اكثر الرسامات الليبيات وضوحا وجرأة في تصوير مأساة المرأة الليبية في العصر الحديث . تظهر المرأة الليبية عبر هذه الأعمال مستسلمة بائسة، يهيمن السكون على روحها ويحكم جسدها، مقيدة من الداخل، راضية بدور القربان، في مجتمع ذكوري قاس يقيم احتفالات تبدأ بإعداد الضحايا للموت، ارواحهن ثم اجسادهن، حتى يصلن الى حبل مشنقة الانوثة راضيات ومستسلمات، لا ينتفضن ولا يبدين رفضا، كما تفعل القرابين..
يقيم الذكور طقس تقديم القرابين، وهم يعزفون على آلات شعبية تأخذ رموز الذكورة مثل "الغيطة" وهي عبارة عن انبوب به ثقوب ككل آلة نفخ موسيقية، وطبل يتلقى الطرق فيرنّ. يتباهى الرجال بجلابيبهم البيض الطويلة وقبعاتهم الحمر ورقصهم، تباهيا بذكورتهم المنتصرة، امام البيت او دار العروس في الاعراس الليبية وامام غرفة الاعدام في لوحات خلود الزوي.
داخل زنزانة السجينات، البيوت او غرف العرائس، تظهر النساء مستسلمات في انتظار تنفيذ احكام المجتمع في حق ارواحهن واجسادهن وانسانيتهن، وتأخذ تلك البيوت او الغرف شكل الزنزانات والاقبية على رغم تسلل النور عبر شبابيكها. الاجساد الانثوية في لوحات خلود الزوي، اقرب الى كائنات ميتة لا تبدي حراكا ولا نرى فيها الا ارتعاشات النصف الاسفل الراقص من اجسادهن، حيث تقيد الارداف بحزام كي لا يتحول ارتعاشها الى انتفاض وانفلات.
لا ملامح مفردة وخاصة لأيّ من النساء. كلهن نساء وحسب. وهن لسن اكثر من انسياب فرشاة خلود الزوي من اعلى سطح اللوحة حتى اسفلها. هن انوثة ذليلة ومغتصبة ذات انسانية مخنوقة داخل تلك الجلابيب والاجساد. تتبع لوحات خلود الزوي رحلة القرابين نحو المصير المحتوم داخل القبو، وهي رحلة تحدث داخل الاجساد والجلابيب الساكنة، وصولاً بالفرشاة الى المشنقة، في لوحة "شنق الانوثة".
تصوير الرسامة لفصول هذه المأساة، يبدو اقرب الى البكاء الداخلي المرّ، حيث تنحدر الفرشاة منهمرةً انهمار دموع هادئة وساخنة. لا عنف تمارسه فرشاتها، ولا ايقاعات لونية تتزاحم، بل تنساب الالوان رثاءً لأنوثة تتعذب وتشنق بابتهاج ذكوري متوحش.
في أعمال خلود الزوي اتقان وتجويد. انها صوت ليبي نسائي يقدّم باللون معاناة بنات جنسها وسط مجتمع تحكمه قيم الذكورة وأعرافها.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard