الحضور المسيحي ومسؤولية ثلاثة أطراف

11 تشرين الثاني 2013 | 00:00

كنت في الأردن في لقاء الأمانات العامة للمدارس الكاثوليكية في الشرق الأوسط وشمال افريقيا. جاء تربويون كاثوليك من تونس والمغرب والأردن ومصر وفلسطين والأراضي المقدسة ولبنان. تمحور اللقاء على "تجذّر المسيحيين في المنطقة". في عمان تسمع كلاماً يشبه الكلام الذي تسمعه في بيروت عن هواجس مسيحيي المشرق. في أحاديثك مع إخوة لك مسلمين في المنطقة تسمع عبارات من مثل أن التهديدات في زمن الربيع العربي لا تطال المسيحيين فحسب، بل المسلمين أيضاً. أنا أصدّق هؤلاء. فجماعات مثل "داعش" و"جبهة النصرة" وغيرهما تكفّر المسلمين أيضاً. تكفّرهم إذا كانوا شيعة أو علويين، وتكفّرهم إذا كانوا سُنة معتدلين. يأتيك مسلم معتدل منفتح يتبوّأ مركزاً في السلطة ليقول لك إن الأصوليات خطر عليه وعلى دوره، مثلما هي خطر عليك أنت المسيحي. ويحاول شريكك المسلم أن يعزّيك بكلام مفاده أن المصيبة عامة، وإن "المصيبة ع الكترة بتهون". قد يكون هذا الكلام صحيحاً، لكنه يبقى في رأيي غير مكتمل، لماذا؟ لأن ما يسمعه المسيحي من المسلم هذه الأيام لا يكفي. صحيح أن خطر الأصوليات يطال المسلم والمسيحي على السواء، لكن الخطر الأصولي لا يهدد الوجود المسلم في البلدان العربية فيما هو يهدد الوجود المسيحي برمته. هذا هو الفرق والفرق شاسع وخطر. المسيحي العربي اليوم مهدد بوجوده بينما وجود المسلم غير مهدد على الإطلاق، وإن كانت شظايا الإرهاب تطاله في بعض المرات، كما يحصل في مصر أو تونس، وأنا أعترف بذلك. أمر آخر. المسيحي مهدد بدوره الريادي في العالم العربي. المسلم غير مهدد بدوره على الإطلاق، في بلدان عربية مثل لبنان والأردن قد لا يطال إرهاب التشدد الأصولي المسيحيين بشكل مباشر، لكنه يجعل دورهم خافتاً خجولاً متراجعاً، وهذا في حد ذاته خطر مستحكم.
دعوني أقول إن وجود المسيحيين في لبنان والعالم العربي هو مسؤولية المجتمع الدولي الذي ألزم نفسه مراراً بحماية الأقليات. ألم يفعل ذلك حين حمى مسلمي البوسنة من الإبادة في مرحلة التسعينيات؟ كذلك فالحضور المسيحي في البلدان العربية، هو مسؤولية الحكومات العربية، فكل حكومة عربية، وعلى رأسها حكومتا مصر والعراق، مدعوة الى حماية نسيجها الوطني من التهجير الممنهج للأقليات وفي مقدمها الأقليات المسيحية. فحماية دور العبادة المسيحية من الهجمات القاتلة لا تكفي لبقاء المسيحيين. الحكومات العربية مطالبة بأن تفسح في المجال أمام انخراط المسيحيين في الشأن العام، وأمام قبولهم قبولاً كاملاً كشركاء في المواطنية. وأخيراً إن الحضور المسيحي هو مسؤولية المسلمين اللبنانيين وسائر المسلمين العرب. ما هو موقف المسلمين من الاعتداءات المتكررة على المسيحيين؟ أين هي المواقف العلنية التي تندد بصراحة بتهميش المسيحيين؟ أين هم المسلمون من الدعوات المتكررة الى الأصوليات الإسلامية؟ وهل مقبول تبريرهم لها بأن المسيحيين إذا ما رفضوا هذا الرمز المسلم المعتدل أو ذاك فإنهم سيلقون الأصوليين أمامهم؟ هذا كلام غير مسؤول. ما هو موقف المسلمين من المشاركة الحقيقية الكاملة معهم في لبنان؟ عام 2007 أطلقت النائبة بهية الحريري، بما تمثل، مبادرة أسمتها "اعتدال" توجهت فيها الى رجال الدين المسلمين الشباب لحضهم على الاعتدال. أين أصبحت هذه المبادرة؟ ماذا حققت؟ ولماذا انطفأت؟ الاستنكار وحده لم يعد كافياً. المسلمون اللبنانيون والعرب مدعوون الى مبادرات مثل "اعتدال" تهدّئ من حدة الخطاب الاسلامي المتصاعد، وتبحث مع الشريك المسيحي في الوطن عن شركة حقيقية يتساوى فيها الجميع في المواطنية أمام القانون.


تجمّع "تَجَذَرْ"

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard