مصارف لبنان "الأكثر سيولة" في المنطقة على رغم وقوعها في ازدواجية المشهد لبنان محكوم برأيين: التقويم الائتماني والأسواق المالية... لكن الكلمة للأخيرة!

7 تشرين الثاني 2013 | 00:29

لبنان نال توصية إضافية بالتوظيف في الأوراق السيادية اللبنانية.

بعدما انتهت احدى جلسات واشنطن من عرض الوضعين المالي والمصرفي للبنان وبالتفاصيل، خاطب مصرفي لبناني مسؤولاً اميركياً شارك في الاجتماع قائلاً: "بعد كل هذا العرض، أين توظّف اموالك؟" فأجاب: "صحيح. يجب ان تكون مصارفكم مصنفة بدرجة A. لكنها في الواقع، محكومة بسقف التصنيف السيادي للدولة". قد يعكس هذا المشهد، ازدواجية تعيشها المصارف اللبنانية، سياسياً في الداخل وأمنياً في الخارج القريب والبعيد.

ينشغل لبنان هذه الأيام باعداد ملفاته لاستقبال البعثات الدولية الباحثة عن مكامن القوة والضعف في النظام المالي والنقدي والمصرفي والاقتصادي، بغية تقديم النصح والمشورة لانقاذ اقتصاد لبنان مما تعانيه غالبية اقتصادات العالم. وعلى رغم ان مكمن الوجع معلوم بوجوده في احوال الخزينة العاجزة تراكميا لغياب العوامل المساعدة لاخراج لبنان من هذه الدوامة التي استصدرت خفض تصنيفه أخيراً الى -B، يبقى في الدفة المقابلة، مؤشرات رقمية تؤكد سلامة الوضعين النقدي والمصرفي مما ينسحب وان بـ"القطارة" على بعض قطاعات لصيقة تنجح في الافادة لتمرير مرحلة الضيق الاقتصادي التي طالت.

فبعد التحقق من الوضعية اللبنانية في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن، انطلاقاً مما سمع مسؤولو المؤسستين من وفد لبنان الرسمي (وزيرا المال والاقتصاد وحاكم مصرف لبنان) والخاص (ممثلو القطاع المصرفي)، تعود بعثة المادة الرابعة التابعة للصندوق Article IV الى بيروت قريباً كما درجت العادة كل سنة، في مهمة استطلاعية من قرب لأحوال المالية العامة واداء القطاع المصرفي، على ان تكون النظرة الماكرواقتصادية الى لبنان هي التي تحتل العنوان العريض.
في الموازاة، يتطلع لبنان الى ايار المقبل، الموعد المبدئي لزيارة بعثة FSAP (Financial Sector Assessment Program) وهو برنامج مشترك بين صندوق النقد والبنك الدولي لتقويم القطاع المالي، وقد اطلق في العام 1999 اثر ازمة المال الآسيوية بغية التخفيف من وطأة الازمات المالية. ويوفر البرنامج المساعدة لصانعي السياسات المحلية في اتخاذ اجراءات عاجلة تتيح للدول اطاراً شاملاً لإصلاح القطاع المالي، اضافة الى الفرصة التي توفرها للدول لقياس مدى امتثالها لمعايير القطاع المالي، وقياس النظم التنظيمية والاشرافية على الممارسات المقبولة دوليا.
ومعلوم أن جولة البعثتين تشمل مسؤولين في وزارة المال ومصرف لبنان والقطاع المصرفي، لكن ما سيعرضه لبنان لن يختلف عما قدمه قبل اقل من شهر في الولايات المتحدة وفي تركيا، إذ انعقد مجلس الاستقرار المالي FSB (Financial Stability Board) الذي انشئ في العام 2009 اثر ازمة المال العالمية، ويختص بوضع معايير لتطوير تنفيذ سياسات القطاعات التنظيمية المالية والاشرافية. وهو يجمع بين السلطات الوطنية المسؤولة عن الاستقرار المالي في المراكز الدولية المهمة، والمؤسسات المالية والتجمعات الدولية من منظمين ومشرفين وخبراء ومصارف مركزية.
في دورة اسطنبول، شارك حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بصفة رئيس الى جانب حاكمي مصرفي السعودية وتركيا، وهما رئيسا المجلس الذي يعنى بشؤون دول اسواق الشرق الاوسط وشمال افريقيا الـ13. وقد تركزت النقاشات على وضع مصارف المنطقة في ظل ثورات "الربيع العربي" وتردداتها في دول مجاورة. وبنتيجة العروض المقدمة، تبين ان ثمة ثلاث دول لا تملك سيولة مصرفية، واخرى فاقت قروضها ما لديها من ودائع. وبرز لبنان "الاكثر سيولة مصرفية بين مصارف المنطقة".
ربما يتلاقى هذا الواقع والقرارات التي اتخذت في واشنطن، حين نال لبنان وعلى رغم الاخطار التي تطوّق اقتصاده الوطني، تصنيف Over Weight في الاسواق المالية، اي توصية اضافية بالتوظيف في الاوراق اللبنانية السيادية. وقد تزامنت التوصية مع مبادرة وكالة "ستاندرد اند بورز" الى خفض تصنيف لبنان السيادي من B الى -B استندت الى ثلاثة عوامل: المخاطر السيادية، والمديونية العامة والمالية العامة. علماً انها تعتبر كما سائر وكالات التصنيف، ان المصارف اللبنانية توازي بكفايتها المصارف المصنفة بدرجة A، لكنها تبقى محكومة بسقف الأخطار السيادية. لذا، ابقت تصنيف القطاع المصرفي الذي اشادت بأدائه وملاءته، وأشادت ايضاً بأداء مصرف لبنان "الذي يملك احتياطات جيدة من العملات الأجنبية وإدارة النشاط النقدي والمصرفي".
خفض تصنيف لبنان أعقب تحذير صندوق النقد الدولي للبنان من تزايد العجوز المالية في ظل تراجع اداء الاقتصاد وتاليا النمو. واقع يظهر ان لبنان محكوم برأيين: وكالات التصنيف العالمية التي تتخذ من الاخطار السيادية سقفها لتقويمها الائتماني، والاسواق المالية التي تختبر من قرب اداء القطاعين المالي والمصرفي وتنتهي الى الاشادة به. المهم، ان الكلمة الاخيرة تبقى للأسواق... شهادة شاهد!

violette.balaa@annahar.com.lb Twitter: @violettebalaa

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard