اللاجئون السورين جنباً إلى جنب اللبنانيين في المدارس ضغوط نفسية وتربوية تتطلّب تعديل البرامج

31 تشرين الأول 2013 | 00:00

التلامذة السوريون جنبا الى جنب اللبنانيين.

المدرسة لم تعد مكانا للتعلم والتعليم، بل "حاوية" لضغوط نفسية كبيرة، ولكن ايضا اجتماعية، وربما سياسية... في المدارس الرسمية أعداد من الاولاد اللاجئين السوريين جنبا الى جنب اللبنانيين. كيف يتم "التلاقح" بينهما؟ وهل يكون اختلاطهما مكسبا للتربية؟

لا شك في أن المعاناة الاكبر تقع على عاتق الاولاد السوريين، تقول الاستاذة الجامعية الدكتورة فاديا حطيط، فهم آتون الى لبنان معبئين بذكريات ومشاهد رأوها بأم أعينهم ولا تزال عالقة فيها: موت أقارب أو أهل، دمار، لجوء... يجب ألا ننسى اذاً، تقول حطيط، ان هؤلاء الاولاد ليسوا في وضع عادي وطبيعي، حياتهم باتت لجوءاً، وثمة أولويات معيشية تقض مضاجعهم، كالمأكل واللباس... لديهم اذا صعوبات شتى، لذا يفرض التعامل معهم ضرورة انتباه الاساتذة لهم أكثر، واستخدام برامج خاصة تتسم بالديمومة.
ليس "إرث" الماضي المأسوي في سوريا وحده ما يحمله الاولاد السوريون، بل تضاف اليه يوميات يعيشونها في المدرسة مع أترابهم اللبنانيين، الذين يعامل قسم منهم السوريين بعنصرية، فتقع على مسامع اللاجئين عبارة مثل "هذا سوري" كما كان يقال سابقا "هذا سريلانكي"، وهذه من "ترسبات" التربية المنزلية التي تتسلل الى المدارس... كما يصادف فلسطينيو المخيمات السورية استعلاء، ولكن هذه المرة من فلسطينيي المخيمات اللبنانية الذين في ظنهم ان "الوافدين" الجدد سيقاسمونهم ما "يملكون"، بحسب حطيط التي اوضحت لها المعلمات ان هذه الامور تأخذ لها مكانا في البداية، لكنها تنحل شيئا فشيئا. والتنوع الموجود في المدارس يجب ان يدار بالشكل الصحيح ليستخرج منه "المختلفون" فائدة لهم، ثم ان نظريات تربوية تؤكد ان الاختلاط في المستويات يكون احيانا حافزا للتلامذة نحو التفوق اكثر.
غير ان اختلاط الاولاد اللبنانيين بأقران من جنسيات اخرى، ليس بالشيء الجديد والمستجد، تلفت حطيط، فلطالما كان ثمة اولاد عمال سوريين مثلا في المدارس الرسمية، الى مصريين وغيرهم... لكن الآن يتخذ الامر طابع الازمة وحالة الطوارئ، فضلا عن ان اعدادهم اكبر من اللبنانيين طبعا. اذاً الوضع ليس طارئا على الاساتذة الذين يملكون خبرة سابقة. وما اضيف في هذا الاطار هو ان التعامل مع السوريين اضحى مختلفا، وبرز خوف اهالي اللبنانيين من ان تكون الحال مضطربة وتؤثر في اولادهم ومجرى دراستهم. "غير ان الوضع في المدارس الرسمية لم يكن قبلا إيجابيا للغاية ومثاليا، كي يتدهور الآن"، تقول حطيط. وعن "شكاوى" الاهالي من تراجع اللغات الاجنبية في الصفوف لمراعاة الاولاد السوريين وملاءمة مستوياتهم، على حساب اللبنانيين، تقول حطيط: "لكن متى كانت اللغات الاجنبية في المدارس الرسمية في افضل احوالها كي تتراجع الآن؟ دعونا لا نبالغ في تضخيم الامور، فهي ليست كما يجري تظهيرها، ولنكف عن جعل اللغات الاجنبية قميص عثمان... يمكن ان نخضع الاولاد السوريين لنوع من التقوية عبر جمعيات، وتتولد عن هذه التجربة برامج دائمة, وبالتالي تحل مشكلة اللغة الاجنبية".
وترى حطيط ضرورة الافادة من الوضع الراهن لتعديل البرامج التربوية التي يشكل المنهج جزءا منها، الى اعداد المعلمين، ادخال عناصر جديدة الى الجهاز التعليمي، تجربة الجمعيات الاهلية لجهة مد قنوات بين المدرسة وهذه الجمعيات وتبادل الخبرات... اذا يتعين العمل على هذه كلها بشكل دائم، لا في حالة الطوارئ فقط. وعلى المنهج، بحسب حطيط، ان يكون اكثر مرونة، يخرط الناحية النفسية في صلبه، ويصبح موجها اكثر نحو حاجات المجتمع، الافراد كأفراد، ويمسي مبينا على الاختلاط والعمل الجماعي والتفاعل مع البيئة، الى وجود مرشدين تربويين ومختصين نفسيين وصحيين.
وتشيد حطيط بالجهود التي تبذل في المدارس، وتنقل معاناة الاساتذة الذين يلمسون في التعاطي مع الاولاد الكبار صعوبة اكبر مع اولئك الصغار، لان "الكبار اكثر ميلا الى رفض الاندماج، وبالتالي ظهور العدوانية، لذلك يعمل الاساتذة على حال النزاعات عبر مد جسور التكلم بعيدا من العدوانية، ليس بين اللبناني والسوري فحسب، بل بين السوري والسوري ايضا، لان السوريين انفسهم منقسمون سياسياً. السكوت لا يساعد في طريق الاندماج، لذا ثمة طريقة خالية من العنف ليتكلم التلامذة. التعاطي صعب اذا مع الاولاد، وبعضهم، وان قلة، ترك المدرسة لانه عجز عن التأقلم. الحل؟ بالدعم النفسي وبوجود جهاز ارشاد ومختصين ليساعدوا الاولاد السوريين على التكيف مع زملائهم اللبنانيين، ويساعدوا هؤلاء على تقبل السوريين".

maria.hachem@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard