رحلة - انطباعات عائد من جزائرستان

30 تشرين الأول 2013 | 00:00

مع الوجبة الموزعة على الركاب نقرأ على بطاقة صغيرة بالعربية والفرنسية والانكليزية هذا التأكيد "شركة الطيران تضمن لكم أن هذا الأكل حلال". بغض النظر عن هذه الجملة المكتوبة لا أثر للعربية إطلاقا منذ بداية الرحلة إلى آخرها. فما هو مصير من لا يعرفون غير العربية في حالة وقوع خلل في الطائرة؟ يبدو أن هاجس ضمان الحلال لهذه الشركة الفرنسية أهم بكثير من سلامة الراكبين المعرّبين. كلْ حلالاً ومتْ آمناً. على فكاهية الملاحظة، تقدم فكرة واضحة عن التوجهات الميتافيزيقة للمجتمع الجزائري اليوم: التفريق الصارم بين الحلال والحرام.

من الجو تبدو الجزائر العاصمة مدينة رائعة تعانق المتوسط عاشقة كسابق عهدها. سنهبط بعد دقائق، يقول الصوت في الطائرة وتنحدر دمعتان على الخد. عشرون سنة غياباً مرت بسرعة البرق كانت فيها الجزائر في الذهن دوما. فكأنني لم أغادر. المطار الجديد نظيف وترتيبات الخروج سهلة وسريعة جدا، ورجال الشرطة والجمارك في غاية اللباقة والعفوية.
من سيارة صديقي ونحن في اتجاه العاصمة رحت أحدق في الاشجار وفي الوجوه وفي البنايات وفي كل ما يمكن العين أن ترى. تغيّر المحيط، غدا شبه مغبر. فهل تعرفني طرق تصعلكي؟ هل يعرفني الطير؟ هل تذكرني حانات الوطن؟ حتماً سيلاحقني خطوة خطوة شبح ذلك الشاب الحالم الذي كنته، سألحظه في كل حارة وعلى رمال كل شاطئ. سألتقي ذلك المخربش على صفحات الجرائد الذي كنت، ذلك الذي لم يكن يخاف في العلمانية لومة لائم. ذلك الذي كان - من بين قلائل - يكتب ضد وهم الدولة الاسلامية وخطر تطبيق ما يسمّى شريعة. سأتذكر طوال الأسبوعين تلك الجموع الهائجة وأسترجع رائحة البارود وذكرى بلد يتهاوى بل يهرول نحو حتفه، نحو عشرية الدم والدموع.
الطريف حقا لدى الجزائريين حينما تبدي اندهاشا ما، إجابتهم العفوية بالفرنسية: "سي نورمال". إنه أمر عادي! في العاصمة يسير الراجلون وسط الطريق بين السيارات، وترى سيارات تقف وتنتظر مرور الراجلين المتبخترين رغم النور الأخضر، إذ لا يقصد مكان المرور المخصص للراجلين إلا الخائفين مثلي، المرضى باحترام القانون والنظام.
يتساءل الباحث الجزائري نصر الدين العياضي على صفحات يومية "الخبر" الجزائرية عن سبب فقدان الجزائري القدرة على التعجب والاستغراب. هل هو عجز لغوي، يتساءل صديقنا، أم أنه متعلق باقتناع الجزائري بعدم الجدوى من الاندهاش؟ كلمة "عادي" لدى الجزائري، يقول، لا تعني الطبيعي فقط، بل تدل أيضا على نوع من الاستقالة بفعل التشاؤم الذي أصبح همّه الوحيد.
في باحة الحانة المطلة على المتوسط، نساء ورجال من مختلف الأعمار يحتسون في حبور ما لذّ وطاب من أنواع الجعة والخمور ومختلف المشروبات الروحية. انتابتني حالة وجد، حاولتُ لملمة ما تبعثر في غياهب الذاكرة، رحت عبثا أبحث عن خيط يربط بين الماضي الحلم والحاضر الماثل بشحونته الدينية القاتلة. كنت كالمجنون وأنا شاب أحلم بدولة علمانية وبمجتمع ديموقراطي عادل ومتعدد، فإذا بي بعد سنوات أمام مجتمع منغلق على ذاته أقرب إلى الكيان الثيوقراطي منه إلى أي شيء آخر!
أريد بيرة أخرى من فضلك، قلت للنادل. تلك هي جزائري كما عهدتها. اليوم خمر وغداً أمر. لكنها جزائر صغيرة جدا يؤمّها هؤلاء هرباً من الدولة الاسلامية الزاحفة، إذ تغلق الحانات أبوابها الواحدة تلو الأخرى في العاصمة تحت ضغط الاسلاميين وتواطؤ السلطات المحلية معهم. فهل حوّل بوتفليقة وحاشيته هزيمة الاسلاميين العسكرية إلى نصر ثقافي وسياسي لهم؟ من الخطورة أن يظهر شخص في الشارع الجزائري اليوم عدم اكتراثه بمعتقدات الأغلبية. قبل عشرين سنة كانت النساء المحجبات أقلية، واليوم يمثلن الأغلبية الساحقة كيلا أقول المسحوقة. أطفال يرتدون القمصان، وفتيات لم يتجاوزن السابعة محجبات، جلابيب ولحى مسترسلة تكاد أن تلامس الأرض، عقاقير معروضة للبيع تحت لافتة التطبب الاسلامي. اغتصاب ثقافي حقيقي. تلك هي بعض أحياء المدن الكبرى وخصوصاً الجزائر البيضاء التي لم يبق فيها من البياض سوى أجنحة النوارس. بنايات كولونيالية رائعة فقدت بياضها الاسطوري وأصبحت مغبرة لا تسر الناظرين. في وسط المدينة شرفات تكاد تسقط على رؤوس المارة. الأرصفة احتلّها التجار، فضاقت بالراجلين ولم يعد من السهل تحديد فاصل بين السوق والفضاءات الأخرى، والنتيجة تلال من القمامة في كل مكان. القارورات البلاستيكية المتناثرة لم تعد تثير انتباه أحد. سي نورمال.
حي القصبة ذاكرة مدينة الجزائر ورمزها المعماري الأهمّ، بات مهددا اليوم بالزوال. لم تقدم خطة حقيقية للمحافظة على هذا التراث الغني تاريخيا واجتماعيا بل تُرك عرضة للإغتصاب والتلاعب المالي، رغم أن الأونيسكو صنّفته كتراث إنساني عالمي منذ 1982. من يقف على حالة القصبة المزري، لا بد أن يتساءل أين ذهبت المليارات التي خصصت لترميم الحي منذ 50 سنة؟ وسواء أكنت مريضا أم على سفرٍ أم طفلا أم ملحدا أم مسيحيا، عليك أن تتحمل صرخات عشرات المؤذنين المنبعثة بقوة من مكبّرات الصوت التي تنغّص عليك نومك مع أول خيوط الفجر في كل يوم تشرق فيه الشمس على مدينة الجزائر. حاولتُ أن أقنع نفسي بأن البلد لم "يتأفغن" كليةً، لكني لم أجد في بعض الأحياء أدنى رائحة تدل على جزائرية المكان والسلوك، لم أجد شيئا لم تلوّثه الاسلاموية بعد. لقد ترك الجزائريون حتى الأسماء المحلية الاصلية التي كانوا يسمّون بها ابناءهم واستبدلوها بأسماء آتية من الجزيرة العربية وتركيا ومن الأساطير الاسلامية.
بدا لي الجزائري هائما ثقافيا، لم يبق له من ضمان سوى الدين يتخذه طوق نجاة. "مغلق من أجل الصلاة"، تلك جملة نراها اليوم معلّقة على أبواب الدكاكين، ولا استغرب أن أجدها مستقبلا على أبواب المؤسسات الرسمية. كيف لا، وحتى صور المعلّمات المصاحبة للدروس في الكتب المدرسية المقررة، تظهرهن محجبات، بل ان كل العملية التربوية تذهب بوعي أو بغير وعي نحو أسلمة البلد و"وهبنته": الجهل والتعصب.
قطعتُ المدينة مشيا على الأقدام ذهاباً وأياباً، من ساحة أول ماي إلى حدود باب الواد في ست ساعات. هالني واقع العاصمة "كيف كانت كيف ولات"، "كيف كانت وكيف أصبحت" كان ذلك عنوان أغنية راي يتحدث فيها الشاب بحزن عن عشيقته التي هرمت ووهنت. رحت أردد الاغنية بيني وبين نفسي قاصداً المدينة التي تتريف أمام أعين سلطة تتفرج ولا تحرّك ساكناً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. كل شيء شاخ. الوجود برمته تغلفه غيمة حزن بادية على الوجوه. أكل الاسمنت المساحات الخضراء. وإذا تواصلت وتيرة البناء القانوني والفوضوي على هذا المنوال، فلن يجد الجزائريون بعد 50 سنة أين يزرعون شجرة برتقال أو حبة بصل. المحافظة على البيئة، الخشية من التلوث، آخر اهتمامات الجزائريين. الأغلبية هائمة بحمّى الاستهلاك والجري وراء لقمة العيش. بعدي الطوفان! حتى العصافير في المدن تبدو حزينة قلقة.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard