الضربات الصاروخية موضع تساؤل في غياب استراتيجية أميركية حيال سوريا

16 نيسان 2018 | 00:00

صورة وزعتها وزارة الدفاع الاميركية لقاذفة "بي-1" بعد تزودها الوقود في الجو وهي في طريقها لشن غارة على سوريا السبت. (أ ف ب)

قبل أكثر من سنة، أمر الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتوجيه ضربة صاروخية الى الحكومة السورية رداً على هجوم بأسلحة كيميائية على خان شيخون. 

وفجر السبت أعاد ترامب الكرّة مع حليفتيه فرنسا وبريطانيا في رد استهدف ردع الرئيس السوري بشار الأسد عن استخدام الأسلحة الكيميائية مجدداً، اثر هجوم على دوما، ولكن من المستبعد أن يحدث ذلك تغييراً من حيث استمرار قبضته على السلطة. ومما قال في ذلك: "المهمة أنجزت" وهي عبارة ارتبطت على نحو ثابت بالرئيس سابقاً جورج دبليو. بوش الذي استخدمها عام 2003 خلال حرب العراق التي سببت له إزعاجاً حتى نهاية رئاسته.

وأيّدت أحدث الضربات التي أمر بها ترامب أصوات من أنحاء الطيف السياسي الأميركي، لكن هذه الأصوات انتقدت عدم وجود استراتيجية أميركية موسعة قد تضع نهاية للحرب المستمرة منذ أكثر من سبع سنوات سواء بالأسد أو من دونه. وتساءل المعلقون عن الرسالة من وراء الضربة، التي أشارت إلى أن الحلفاء الغربيين لن يسمحوا بأن يمر أي هجوم بأسلحة كيميائية من دون عقاب، لكنهم اعترضوا على أي تدخل أعمق عندما تقتل البراميل المتفجرة التي تستخدمها قوات الحكومة السورية عددا أكبر من السوريين.

وقال السناتور الجمهوري جون ماكين في بيان بعد الضربات الأخيرة: "كي ننجح على المدى البعيد، نحتاج إلى استراتيجية شاملة لسوريا والمنطقة بأسرها". وأضاف ماكين الذي دعا قبل سنة إلى اتخاذ إجراء أكثر حدة لشل القدرات العسكرية للنظام السوري العسكرية: "الغارات الجوية غير المرتبطة باستراتيجية أوسع ربما كانت ضرورية، لكنها لن تحقق وحدها الأهداف الأميركية في الشرق الأوسط".

وأبدى ترامب رغبة في سحب قرابة 2000 جندي أميركي شاركوا في الحملة على تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) في سوريا، وأوقفت إدارته دعمها للمعارضة السورية المسلحة مما يثبت نيته في الانسحاب من سوريا. لكنه اتخذ على ما يبدو موقفاً متناقضاً مع تلك الرسالة عندما قال السبت إن الحلفاء الغربيين مستعدون "لمواصلة هذا الرد" إذا لم يكف الأسد عن استخدام الأسلحة الكيميائية المحظورة.

تعارض صارخ

وأفاد مسؤول أميركي أنه في حين تمكن مساعدون كبار لترامب مثل وزير الدفاع جيمس ماتيس من إقناعه بتجنب ذلك التحرك الاشد صرامة الذي كان يريده أول الأمر قائلين إن في ذلك مخاطرة بالتصعيد مع روسيا حليفة الأسد، لم تقترب الادارة من وضع استراتيجية شاملة في شأن الحرب في سوريا. وأوضح أن ترامب كان يريد إلحاق ضرر أكبر بآلة الحرب التي لدى الأسد، لكنه استقر في النهاية على إضعاف قدرات أسلحته الكيميائية لأسباب منها أن جزءاً من قاعدته السياسية في الداخل يعارض انغماس الولايات المتحدة أكثر في الأحداث السورية. ولاحظ أن "هذا تعارض صارخ تصعب عليه إزالته". وبينما جعل هجوم الأسلحة الكيميائية سوريا محط نظر ترامب تماماً، يرى خبراء أن من المستبعد إقناعه بأن يبقي المسار في سوريا لما هو أبعد من إلحاق الهزيمة بتنظيم "الدولة الاسلامية" (داعش).

وأكد عدد من المسؤولين الأميركيين طلبوا عدم ذكر اسمائهم أن إزاحة الأسد، الذي تمكن من البقاء بفضل الدعم الكبير من إيران وروسيا، لا تشكل أولوية للإدارة. وقال مدير معهد الجزيرة العربية في واشنطن فراس مقصد: "لا حل بعد لمشكلة الأسد... الأسد نجح في المستقبل المنظور على الأقل، وهو يستفيد من ذلك". وفي حين لا يبدو أن ثمة بديلاً فورياً مما يسمى عملية جنيف المفترض أن تؤدي الى انتقال سياسي في سوريا، اعتبر مسؤولون أميركيون كبار طلبوا عدم ذكر أسمائهم أن العملية فشلت وأنه آن الأوان لإعادة النظر فيها. وقال أحدهم: "عملية جنيف لم تنجح، وآن الأوان لإيجاد شيء جديد أو تغييرها".

ورأى دينيس روس الذي عمل مستشاراً للرئيس الاميركي السابق باراك أوباما لشؤون الشرق الأوسط في ولايته الأولى أن الضربات الصاروخية لن تترك أثراً يذكر على الموقف في سوريا بشكل عام. وقال إن نهج ترامب "لا علاقة له بتوازن القوة في سوريا، بل ينصب على داعش وعلى ردع الأسد عن استخدام الأسلحة الكيميائية". وأضاف ان "الضربات قد تقنع (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين بمنع الأسد من الاستمرار في استخدام المزيد (من الأسلحة الكيميائية)، إذ من الواضح أننا سننسحب من سوريا. الضربات لا تغير تلك الحقيقة".

وذكر مقصد إن روسيا أعلنت النصر ثلاث مرات في سوريا وأحبطت الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق انتقال سياسي يفضي في نهاية المطاف إلى رحيل الأسد. وقال: "لدى بوتين الإرادة السياسية والمثابرة لمواصلة المسار في سوريا وقد أظهر هذا طوال نحو ثلاث سنوات".

وتشدد واشنطن على "التحالف" الذي "شكله (ترامب) مع عضوين دائمين آخرين في مجلس الأمن" هما فرنسا وبريطانيا. وقال مسؤول أميركي كبير إن الضربات كانت "رداً من تحالف... يتباين مع تحرك الولايات المتحدة بشكل منفرد قبل سنة" حين أمر ترامب بقصف قاعدة جوية سورية في نيسان 2017 بعد هجوم قاتل بغاز السارين على بلدة خان شيخون التي كانت تسيطر عليها المعارضة.

غياب الاستراتيجية

ولكن على رغم الأصداء الإعلامية، فإن "المهمة" كانت محدودة للغاية، بعد أسبوع من التهديدات والمحادثات المكثفة التي أثارت تكهنات كثيرة عن امكان شن حملة غارات على نطاق واسع.

وقال الباحث في مركز "المجلس الأطلسي" للدراسات في واشنطن فيصل عيتاني إن "الأهداف كانت كلها على ارتباط وثيق وحصري بإنتاج أو تخزين أسلحة كيميائية"، مشيرا إلى أنه "لم يتم حتى المس بوسائل إطلاقها". وخلص الى أن "هذه الضربات قد توجه إلى الأسد الرسالة الآتية: +لا يحق لك شن هجمات كيميائية، لكن إن أردت القيام بكل ما تبقى فيمكنك أن تفعل+".

فالولايات المتحدة أعلنت بوضوح أنها لا تنوي التدخل بما يتخطى هذا الهدف في النزاع الجاري بين النظام السوري الذي تدعمه روسيا وإيران، والفصائل السورية المعارضة.

وقالت المندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة السفيرة نيكي هايلي "إن استراتيجيتنا حيال سوريا لم تتغير". ويعلق معظم الخبراء الأميركيين على هذا التصريح متسائلين جميعاً: "أي استراتيجية؟"

وإذ غرّد رئيس مجلس العلاقات الخارجية ريتشارد هاس على "تويتر" أن الضربات الغربية في سوريا "مشروعة"، لفت إلى أنه "ليس هناك تغيير ملحوظ في السياسة الأميركية حيال سوريا". وقال هذا الديبلوماسي السابق الذي يحظى باحترام كبير أن "الأميركيين لم يتحركوا لإضعاف النظام". ودعا المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية نيكولاس بيرنز إلى "إبقاء القوات الأميركية في شمال" سوريا لمكافحة "داعش" وإقامة "تحالف ديبلوماسي أميركي - عربي - أوروبي" يهدف إلى "موازنة النفوذ السلبي للثلاثي الروسي - الإيراني - السوري".

جونسون: سنتحرك مجدداً

وفي لندن، صرح وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون بأن بريطانيا ستبحث في "الخيارات" مع حلفائها إذا استخدم الأسد أسلحة كيميائية مرة أخرى ضد شعبه، قائلاً إنه ليس هناك شيء مخطط له حتى الآن. ودعم قرار رئيسة الوزراء تيريزا ماي الانضمام الى الولايات المتحدة وفرنسا في ضرب منشآت للأسلحة الكيميائية في سوريا واصفاً إياه بأنه كان تصرفاً صائباً لمنع استخدام الأسلحة الكيميائية مجدداً.

وأبلغ برنامج أندرو مار على تلفزيون هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي": "ليس هناك اقتراح على الطاولة حالياً بشن مزيد من الغارات لأن نظام الأسد لم يكن من الحماقة لشن هجوم كيميائي آخر". وأضاف: "سنواصل الضغط على الأسد من أجل الجلوس إلى طاولة التفاوض". وأقر بانه "لا يسعنا معرفة كيف سيرد نظام الأسد على الضربات الصاروخية"، إلا أن هذه الضربات "لن تغير دفة الصراع".

وسئل عن سبب عدم استدعاء البرلمان من عطلته قبل الهجمات، في مقابلة مع شبكة "إن إن" الاميركية للتلفزيون، فأجاب: "من الواضح أن اهتمامنا الأول كان يجب أن يكون سلامة جنودنا وفاعلية وسرعة العملية. هناك الكثير من السوابق التي أنجز فيها الأمر على هذا النحو".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard