كتاب - "رماد الروضة" لإقبال العثيمين لوحات إنسانية تنفض الغبار عن ذاكرة غزو الكويت

22 تشرين الأول 2013 | 00:00

"في طريق العودة للبيت، لا أدري من أي زوايا رأسي قفزت أغنية خرجت بعد تحرير الكويت غنّاها عبدالله الرويشد باللهجة المصرية، ظل المقطع الحزين الذي يقول بالمصرية العامية "يا كويتنا الحبيبة عودي من غيابك، دي القدم الغريبة هربت من ترابك". ووجدتني أشهق بكاءً طازجاً مع "عودي من غيابك" الكويت غابت حقا منذ 2 اغسطس 90، ولا أدري حقيقةً إن كانت عادت أم ظلت في غيابها!؟".

هذا ما دوّنته الكاتبة الكويتية ميس العثمان، على صفحتها في الـ"فايسبوك"، صبيحة ذكرى اجتياح الكويت الثالثة والعشرين، في مطلع آب الماضي. وبينما كنت أقرأ "رماد الروضة"، الكتاب الجديد الصادر عن "دار العين" المصرية، للدكتورة إقبال العثيمين، الأكاديمية والناشطة الكويتية في مجالات حقوق الإنسان والمرأة وغيرها، كنت كثيرا ما أستدعي تلك المقولة الحساسة لميس العثمان، لأنها تعبّر في تقديري عن إحساس عام، لدى قطاع كبير من الكويتيين اليوم. الإحساس بأنه على رغم مرور أكثر من عقدين على اجتياح العراق للكويت، ومثلهما كذلك على تحرير الكويت، لا يزال ثمة جرح ما أصاب الشخصية الكويتية، ويبدو أنه لم يندمل بعد.
مع استمراري في قراءة "رماد الروضة" كنت أدرك أهمية هذا الكتاب وخطورته، ليس لأنه من الأعمال القليلة التي أخذت كاتبته على عاتقها توثيق يوميات كويتيي الداخل، الذين عاشوا محنة الاحتلال العراقي للكويت، وواجهوها، بل وأيضا، لأنها ترصد عبر تلك الوقائع اليومية كيف أن الكويتيين آنذاك، كانوا جميعا على قلب رجل واحد. اختفت العصبيات والضغائن القبلية، والمذهبية، والطبقية، ولم يحضر سوى اسم الكويت كغطاء واحد ووحيد يتدثر باسمه كل من بقي في الكويت على أمل أن تنتصر على محنتها.
قسمت العثيمين كتابها 27 فصلا أو بالأحرى 27 مشهدا توثيقيا، في صياغة سردية، اختارت لكل منها موضوعا، أو حادثة، أو اسما كان له دور في تلك الفترة. هذا البناء يتناغم مع ما أشارت إليه في بداية الكتاب من أن الحكايات "خلاصة ما تبقى من تلك المرحلة في الذاكرة". مزيج مما قد يبدو يوميات، ولقطات ومشاهد، وأحيانا هي أفكار عن الشهور السبعة التي جسدت زمن الغزو الكئيب.
تبدأ العثيمين بالكيفية التي تلقت بها الخبر المفزع لاجتياح القوات العراقية الكويت، ثم تدخل بنا إلى الأجواء الكابوسية الأولى التي عايشها أهل الكويت حتى تأكدوا من صدق ما يحدث حولهم من مظاهر لا تدل سوى على أن الكويت بالفعل تعرضت لاجتياح عسكري.
بعد استيعاب الصدمة تعاين الخواطر التي دهمت الجميع آنذاك متأرجحين بين يقينين، أن هذا الكابوس يعني أن حياة كلٍّ منهم لا يمكنها أن تعود لما كانت عليه، وهواجس السؤال عما إذا كان الكويتيون سوف ينقسمون بين كويتيي الداخل والخارج، كما شأن الفلسطينيين. لكن أحدا في الوقت نفسه لم يكن ليصدق أن يستمر هذا الوضع الكارثي لمدة سبعة شهور أخرى.
تتوالى الفصول لتوضح كيف استمرت الحياة تحت هذا الكابوس. قرارات البقاء في الكويت ومواجهة المصير، والمقاومة بكل السبل المتاحة، على رغم قرارات البعض السفر خوفا على حياته وحياة أبنائه. تكوين وحدات المقاومة المسلحة، وما ترتب عليه، وزيادة حملات الاعتقالات العشوائية للجميع بلا استثناء. ترصد الكاتبة تحول الحياة من الرفاهية المعتادة إلى حياة متقشفة، تلعب فيها السيدات دورا أساسيا في توفير مستلزمات البيوت من الجمعيات. كما تشير إلى دور الأجانب من المقيمين، وخصوصا العرب، في تنقلات الكويتيين. القلق المرعب على الغائبين، ممن تم اعتقالهم، أو ممن اختفوا في ظروف مختلفة. سليمان، شقيق إقبال، كان أحد هؤلاء المختفين، قبل أن يتمكن من العودة. بالإضافة إلى رصد الظروف النفسية السيئة التي تعرض لها الشباب والمراهقون والأطفال بسبب هذه الظروف الاستثنائية.
تستعرض العثيمين الدور الذي لعبته السيدات في المقاومة المدنية، وفي أعمال الإسعاف، وفي رعاية دور الأيتام والمسنين الذين كانوا يعانون من الخوف، وقلة الرعاية، وطباعة المنشورات التي تحث على المقاومة وتنظيم التظاهرات.
تشير العثيمين إلى ألمها الشخصي، من الموقف الذي اتخذته بعض الدول في مساندة صدام حسين، وبشكل خاص ما يتعلق بالفلسطينيين، الذين كانت الكويت وطنا ثانيا لهم. كما تتوقف عند المقاومة المسلحة الكويتية التي ترى أنها لم تكن حلا واقعيا، بسبب عدم التكافؤ بين قوتين إحداهما مدججة بالسلاح والأخرى هي "شعب أعزل".
ترى أنها تؤمن أكثر بالمقاومة المدنية وقد عاشت فترة من حياتها الدراسية في الهند، بسبب يقينها في النموذج الهندي بقيادة غاندي الذي استطاع دحر الاحتلال بهذه الطريقة. لكن وجه الاختلاف في سرد كل هذه التفاصيل تحققه العثيمين من خلال رسم صورة حية تماما لكل الأحداث، التي تبدو كأنها حصلت بالأمس، وحيث تتمتع الشخصيات فيها بطبيعتها، بما في ذلك العديد من اللقطات المرحة، من الحياة اليومية، تنقلها باللهجة الكويتية المحلية، كاشفة عن الكثير من خفة الظل والمتناقضات، ورصد لأمسيات سهر وسمر، حاول بها الكويتيون أن يتغلبوا على مخاوفهم، وربما تعبيرا عن تشبثهم بالحياة والمقاومة والأمل.
هذه تجربة بالغة الأهمية ليس لأنها تنفض الغبار عن مرحلة لا يزال الكثير من أهل الكويت يحاول ان يتناساها، بل لأن استدعاءها بما فيها من ملاحم المقاومة والمواقف الإنسانية ما يحتاجه الجيل الجديد اليوم.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard