اقتصاد لبنان وصدمة الميزانية الأميركية

15 تشرين الأول 2013 | 00:00

أيام تفصلنا عن الحدث المالي الذي يترقبه العالم، وهو قرار الكونغرس في رفع سقف الدين الأميركي والذي لم يتوقف عن الإرتفاع خلال العقد المنصرم.

فبين العامين 2000 و2008، زاد مستوى الدين الاميركي سنويا بنحو 18% بينما زاد 36% سنوياً بين 2009 و2013، أي ضعف الزيادة السنوية، ليصل الى اكثر من 16 ترليون دولار بعدما كان يقارب الـ8 تريليونات في 2007 و3 تريليونات دولار في 2000. واذا استمر على هذه الوتيرة، قد يتخطى عتبة الـ20 تريليون دولار في السنوات القليلة المقبلة، محدثا موجة جديدة من التضخم. لهذا السبب الاساسي، يحاول الكونغرس منع الادارة الاميركية من رفع سقف الدين لتفادي رفع الدين مجدداً في مرحلة لاحقة. أما الادارة الاميركية، فتصر على رفع سقف الدين لتفادي الوقوع في هوة اقتصادية كبيرة.
وبين الاحتمالات المختلفة، يترقب الإقتصاديون اللبنانيون نتائج المفاوضات بين الادارة الأميركية والكونغرس لتحديد الأثر على الإقتصاد الداخلي، والذي قد يفاقم من الوضع المعيشي المتدهور أصلاً ويضع ضغوطاً جديدة على القطاع المالي والإقتصاد اللبناني. وثمة ثلاثة سيناريوهات محتملة. الأول، هو أن يرفض الكونغرس رفع سقف الدين مما سيقيض الحكومة الاميركية في تغطية التزاماتها المالية حيال الموردين والضمان الصحي والاجتماعي والنفقات العسكرية، اضافة الى تقليص قدرة الحكومة على تحفيز الاقتصاد، وتاليا انهاء مرحلة التعافي والعودة الى الانكماش. وفي هذا السيناريو، ينخفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة ويصبح من الصعب للمؤسسات والافراد الاستدانة للاستثمار بمشاريع جديدة. وارتفاع الفوائد في الولايات المتحدة يؤثر على سعر الفائدة في لبنان، مما يفاقم الأزمة الاقتصادية ويضع ضغطاً أكبر على المصارف اللبنانية والمؤسسات والمستثمرين. أما سعر الدولار فيتأثر مع هبوط ثقة المستثمرين بالعملة الأميركية كملاذ آمن.
يذكر أن الصين واليابان هما الدولتان الأكثر تأثراً بسبب حجم استثماراتهما في سندات الخزينة الاميركية، ويقدر الخبراء بأنهما قد يتريثان قبل الانسحاب من السوق الأميركية لأن في المحافظة على استقرار الاقتصاد الأميركي مصلحة لهم. وليس من المتوقع أن يتأثر سعر النفط جذرياً، لأنه سيكون عرضة لعاملي تجاذب معاكسين، الأول هو الهبوط في سعر الدولار مما يرفع سعر النفط، والثاني هو تقلص الطلب في آسيا بسبب تباطؤ النمو من جرّاء اتباع الصين سياسة اقتصادية أكثر حذراً.
أما السيناريو الثاني، فهو أن يوافق الكونغرس على رفع سقف الدين مما يتيح للحكومة زيادة الدين لتغطية العجز والاستدانة مستقبلا. ومع زيادة الدين، يزيد التضخم في الأسعار، إذ تنخفض القيمة الشرائية للدولار. فاذا قارنا القيمة الشرائية للدولار بين عامي 2000 و2013، نرى أنها تقلصت الى الثلث مما رفع سعر برميل النفط من 30 دولاراً في الـ2000 الى 150 دولاراً حاليا. وكذلك، ارتفع سعر الذهب من 350 دولاراً للاونصة الى اكثر من 1600 دولار اليوم. ومن اللافت أن الحكومة الأميركية دونت على ورقة الدولار:" هذه الورقة هي مستند قانوني لكل من الدين العام والخاص" خلافاً للدول الأخرى التي عادة ما تدوّن: "ورقة نقدية مضمونة القيمة بموجب القانون" مما يجعل الدولة تصدر كميات أكبر من العملة كدين من جميع مستخدمي الدولار حول العالم.
وفي هذا السيناريو، يتأثر لبنان بموجة غلاء للأسعار من جرّاء التضخم مصطحبة بأسعار فائدة مستقرة تحفز الاستدانة والاستثمار. ويساهم ذلك بالنمو، لكنه لن يكون حقيقياً لأن القيمة الشرائية للدولار تكون قد انخفضت.
ووفق السيناريو الثالث، يوافق الكونغرس على رفع سقف الدين جزئيا من دون ان يلبي الطلب الكامل للإدارة، واضعاً شروطًا على الادارة عبر المفاوضات لتقليص المصاريف. وفي هذه الحال، قد لا يتأثر التصنيف الائتماني للولايات المتحدة ويبقى سعر الفائدة مستقراً، ويمكن الاسواق العالمية أن تمتص تدريجاً الهبوط في سعر الدولار وتكون الولايات المتحدة تفادت الدخول في مرحلة كساد اقتصادي أو على الأقل، ارجأت المشكلة. لكن، مع مرور الوقت، قد يحدث التضخم عندما يزيد الدين تدريجاً، مؤثراً على أسعار النفط والذهب، اذ قد يصل سعر برميل النفط الى 166 دولارا واونصة الذهب الى أكثر من 2300 دولار بعد ضخ كمية جديدة من العملة الأميركية في السوق، ووصول الدين الى 20 تريليون دولار في السنوات القليلة المقبلة. وفي هذا السيناريو تستمر الأزمة الاقتصادية في لبنان ولكن مع صدمة محدودة، فيعتاد السوق على التضخم التدريجي يقابله استمرار في الاستدانة مما ينمي الاقتصاد اصطناعيا وببطء لا يترجم عملياً بارتفاع مستوى المعيشة. ولكن في كل الأحوال، فان رفع سقف الدين الأميركي جزئياً قد يكون السيناريو الأفضل للاقتصاد اللبناني، علما ان الضغوط التي تضعها الصين والبنك الدولي على الولايات المتحدة قد تساهم في الوصول الى هذا الحل في 17 الجاري.

■ خبير في الشؤون الاستراتيجية والاقتصادية

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard