بينما لبنان غارق في جدل التنقيب عن الغاز إسرائيل تتحوّل دولة مصدرة للمادة في المنطقة

12 تشرين الأول 2013 | 00:00

خريطة توضح توزع البلوكات اللبنانية والاسرائيلية والمنطقة المتنازع عليها. (مجلة غلوبس)

وقت يشتد الخلاف السياسي بين المسؤولين اللبنانيين على سبل استغلال حقول الغاز الطبيعي الموجودة داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة، ويبلغ النزاع أشده بين مختلف الأطراف السياسيين على إنجاز المراسيم الحكومية المطلوبة من أجل بدء توزيع المناقصات على الشركات الدولية التي ستقوم بعمليات التنقيب عن النفط والغاز على شواطئنا تستعد إسرائيل بعد الاكتشافات الجديدة لحقول الغاز في مياهها الاقليمية لان تصير دولة مصدّرة للغاز. واستناداً الى الارقام الإسرائيلية الرسمية الصادرة عام 2012، يبلغ احتياط إسرائيل من الغاز الطبيعي نحو 950 بليون م3، وهو ما يوازي 0,4% من الاحتياط العالمي. قد لا يشكل هذا الرقم تحدياً كبيراً لدولة مثل إيران التي تملك 18% من احتياط الغاز العالمي، ولا لروسيا، المصدر الأول في العالم للغاز، والتي تملك 17,6%، ولا لقطر التي تملك 13%2. لكنه يكفي لتحويل إسرائيل من دولة مستوردة للغاز المصري إلى دولة مصدرة للغاز الطبيعي. فبناءً على تقويم وزارة الطاقة الإسرائيلية للحاجات المحلية من الغاز الطبيعي من الآن حتى سنة 2040، والمقدّرة بنحو 540 بليون م3، ستسمح الحكومة الإسرائيلية بالبدء بتصدير الكميات الفائضة ( نحو 40% من الغاز المكتشف 3).

لمحة تاريخية
استناداً الى الدكتور وليد خدوري، بدأت محاولات إسرائيل للتنقيب عن النفط والغاز لتغطية حاجتها من الطاقة منتصف القرن العشرين. لكن أهم الاكتشافات في هذا المجال تعود الى عامي 1998 و1999 عندما اكتشف للمرة الاولى حقل "ماري- ب" في المياه الجنوبية الإسرائيلية على مقربة من المياه الفلسطينية، وقد بدأ الانتاج من البئر عام 2004 بمعدل 138 مليون ق3. لكن هذا الحقل الى نضوب.
في 2009، أي بعد عقد تماماً اكتشف حقل "تامار" الذي يبعد 90 كيلومتراً عن ساحل حيفا، والذي يقدر احتياطه بنحو 9,7 تريليون ق3، و تبلغ طاقته الانتاجية الحالية نحو 200 الى 250 مليون ق3. واللافت في هذا الحقل انه يقع في حقل امتياز "ماتان" وهو يتألف من تركيبات جيولوجية يقع أهمها على مسافة نحو 35 كيلومتراً جنوب المياه اللبنانية. أما الحقل، فموجود على عمق 5500 قدم (1677 متراً)، وقد بدأ الانتاج منه في آذار 2013. 4
وأواخر العام 2010 اكتشف حقل "ﻟﭭﻴﺘﺎن"، الذي يقدر احتياطه بنحو 18 تريليون ق3، إلى جانب احتمال وجود 1,2 مليار برميل نفط في الطبقات السفلى للحقل على عمق 7200 متر. ويقع هذا الحقل ايضاً مسافة 120 كيلومتراً عن ساحل حيفا في اتجاه المياه القبرصية وبالقرب ايضاً من المياه اللبنانية.
وأعلنت إسرائيل في 2011 عن الاكتشافات الآتية: حقل "قرش" (3 تريليون ق3)، وحقل "دولفين" (تريليون ق3)، في منطقة امتياز "حنا"، وحقل "تنين" (تريليون ق3) في منطقة امتياز "ألون" المحاذية لخط الترسيم البحري اللبناني. ومطلع آب 2013، أعلنت شركة "شيمين أويل" التي يرأسها الرئيس السابق لهيئة أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال غابي أشكنازي، عن اكتشاف كميات من الغاز على عمق 3440 متراً تحت سطح البحر، في حقل "يام 3"، على مسافة 16 كيلومترا من ساحل أشدود، وعن احتمال اكتشاف 120 مليون برميل من النفط على عمق 5200 - 5800 متر.
أدت هذه الاكتشافات الى تغييرات كبيرة في قطاع الطاقة باسرائيل، ومستقبل استهلاك الطاقة المحلية. بحيث بات متوقعا أن يشكل الغاز بحلول 2015 مصدراً أساسياً لتوليد نحو 50% من الطاقة الكهربائية في إسرائيل. ومن أصل خمس محطات للطاقة التي تعمل على توليد الكهرباء، هناك منذ الآن ثلاث تعمل على الغاز. ومن المنتظر أن يحل الغاز محل النفط أو مصادر توليد الطاقة الأخرى في المنشآت البتروكيمياوية في حيفا، وفي معامل تحلية مياه البحر، واستخدام الميثانول والغاز الطبيعي المضغوط كوقود سائل في وسائل النقل مثل الباصات والشاحنات.

تنظيم قطاع الغاز
حتى أواسط العقد الأخير كانت شركة "برييتش غاز" British Gaz هي التي تملك معظم امتيازات التنقيب عن الغاز في إسرائيل. لكنها باعت امتياز "ماتان"، حيث اكتشف حقل "تامار"، في 2005، لشركة "أفنير للنفط والغاز" في مقابل دولار أميركي واحد لا غير. وحوّلت هذه الشركة، عامذاك، جزءاً من حقوقها الى مجموعة "ديليك إنرجي" التي يملكها الملياردير الإسرائيلي إسحق تشوفا، كما باعت، في 2006، جزءاً أكبر لشركة "نوبل إنرجي" الأميركية. وخلال السنوات الاخيرة منحت الحكومة الإسرائيلية شركات دولية رخصاً للتنقيب عن النفط والغاز ضمن ما تعتبره منطقتها الاقتصادية الخالصة. غير ان بعض هذه الحقول، ولا سيما منها حقل "ﻟﭭﻴﺘﺎن"، تمتد الى داخل الحدود البحرية لكل من لبنان وقبرص.
وفور تأكد إسرائيل من قدراتها على استخراج الغاز وتصديره، شكلت عدداً من اللجان النيابية وأخرى مختصة لوضع التشريعات التي تنظم الكميات المعدة للتصدير وتلك المخصصة للاستهلاك المحلي، وتحديد نسبة الضرائب الحكومية على عمل الشركات المنتجة. وبعد نقاشات طويلة وجدل كبير اصدرت الحكومة الإسرائيلية في حزيران 2013 قراراً يسمح بتصدير 40% من الغاز المكتشف في إسرائيل على ان يخصص 60% منه للاستهلاك المحلي. وأوصت لجنة مختصة أخرى لزيادة أرباح الدولة من 33% الى ما بين 52% حتى 62% من عائدات تصدير الغاز. كما بحث في سبل توظيف أرباح الدولة من الغاز وإشراك الجمهور فيها. فاقترح رئيس لجنة العلوم والتكنولوجيا في الكنيست إصدار قانون بانشاء صندوق سيادي تصب فيه نصف واردات الدولة من تصدير الغاز، وعلى أن تحفظ هذه الأموال للأجيال المقبلة.

مشاريع التعاون المستقبلية
وشكلت الاكتشافات الجديدة للغاز الإسرائيلي نقطة تحول انعكست على أكثر من صعيد وخصوصا على صعيد مشاريع التعاون مع دول الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا من أجل تصدير الغاز الإسرائيلي. وأبرز مشاريع التعاون الإسرئيلية على هذا الصعيد مع جزيرة قبرص واليونان. ففي آب 2013 وقع وزراء الطاقة في قبرص واليونان وإسرائيل اتفاقا للتعاون في مجال تزويد أوروبا الطاقة، ومشروعا للربط الكهربائي المسمَّى "رابط أوروبا بآسيا" EuroAsia Interconnector، والذي يقتضي مدّ كابل للتوتر العالي بطاقة 2000 ميغاواط، بطول 540 ميلا بحريا (1000 كلم) في قاع البحر، يربط إسرائيل بقبرص، وبجزيرة كريت، وباليونان وشبكات الكهرباء الأوروبية. وأبدت قبرص رغبتها في استيراد الغاز من إسرائيل وايصاله عبر خط أنابيب تحت البحر الى منشأة "فاسيليكوس" للغاز المسيل على الساحل الجنوبي للجزيرة.
ومن المشاريع المستقبلية الاخرى التي تنوي إسرائيل تحقيقها تزويد الأردن أيضاً الغاز الطبيعي وذلك عبر اطالة خط الانابيب الذي ينقل الغاز حالياً الى المعامل الإسرائيلية في البحر الميت. هذا الى جانب مشاريع أخرى لتزويد السلطة الفلسطينية الغاز، وبناء محطة توليد للطاقة بالقرب من مدينة جنين شمال الضفة الغربية وتشغيلها بالغاز الإسرائيلي، أو من حقل غزة البحري "غزة مارين" غير المستثمر والذي يقدر الاحتياط فيه نحو تريليون قدم. إلى جانب اقتراح آخر يقضي بتحويل محطة توليد الطاقة الوحيدة في قطاع غزة على العمل بالغاز الطبيعي المستورد إما من إسرائيل وإما من حقل "غزة مارين" البحري غير المستثمر بعد.
كما تطمح إسرائيل الى التعاون مع تركيا في تصدير الغاز. وقد تحول هذا الموضوع محركاً أساسياً للتعجيل في المصالحة بين الحكومة الإسرائيلية وتركيا بعد تدهور العلاقات بين البلدين إثر حادث أسطول المساعدات "مافي مرمرة" إلى غزة ومقتل مواطنين أتراك بنيران الجيش الإسرائيلي لدى السيطرة على الأسطول. كما تدرس إسرائيل سبل تصدير فائضها من الغاز الى زبائن محتملين في أوروبا وآسيا. لكن مثل هذا الامر لا يمكن ان يتحقق من دون وجود تعاون اقليمي بين جميع دول المنطقة وخصوصاً مصر ولبنان.

الخلاف على ترسيم الحدود
وبرز الخلاف القانوني بين لبنان وإسرائيل على ترسيم الحدود البحرية بينهما عام 2007، وذلك بعد توقيع لبنان وقبرص اتفاقاً ثنائياً جرى بموجبه ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة لكل من البلدين. وبعد الاتفاق مع قبرص، تولى لبنان ترسيم حدوده أحادياً وأودع الترسيم الأمين العام للأمم المتحدة عام 2010. ووجهت الحكومة اللبنانية اكثر من إنذار عبر محاميها الى شركة "نوبل إنرجي" التي قامت بأعمال الحفر في المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لإسرائيل، وحذرتها من مغبة التعدي على المنطقة التابعة للبنان، وطلبت منها تجنب التنقيب في المناطق التي هي موضع نزاع بين البلدين. وفي 2011 أرسل وزير الخارجية اللبناني الى الأمين العام للأمم المتحدة مذكرة يطالب فيها القوة الموقتة للأمم المتحدة في لبنان في اطار مهماتها في الجنوب بمراقبة المياه الاقليمية اللبنانية.
وترفض إسرائيل ترسيم الحدود الأحادي الذي قام به لبنان وتعتبر ان هناك منطقة داخل المياه الاقتصادية الخالصة للبنان هي موضع خلاف وتبلغ مساحتها نحو 850 كيلومتراً مربعاً. وكانت مجلة "غلوبس" الاقتصادية قد نشرت في نهاية الشهر الماضي ان الحكومة الإسرائيلية تنوي التصدي لمنح لبنان رخص تنقيب عن الغاز والنفط في المنطقة المتنازع عليها6. وتساءلت المجلة ما اذا كانت إسرائيل، إذا فشلت في حل النزاع بالطرق القانونية، ستلجأ الى الاساليب العسكرية. ويبدو ان إسرائيل ترى ان تنقيب لبنان في البلوك رقم تسعة (أنظر الرسم) يقع ضمن المنطقة المتنازع عليها وحيث تشير التقديرات الى احتوائه على كميات كبيرة من الغاز.
لكن الواقع انه ليس من مصلحة إسرائيل تصعيد الخلاف مع الدول المجاورة لها على حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة وتحوله نزاعاً عسكرياً لأن من شأنه تنفير شركات التنقيب التي استثمرت المئات المليارات من الدولارات في أعمال التنقب وهي الآن تريد جني ثمار عملها. من هنا أهمية وضرورة تحقيق ما يسمى أمن الطاقة، وهذا لا يتحقق في أجواء الاضطرابات التي تسود المنطقة في الوقت الحاضر.

randa.haidar@annahar.com.lb

المصادر
1 - وزارة الطاقة الإسرائيلية، تقرير لجنة تسيمح، أيلول 2012، ص.8. أنظر: "The Recommendations of the Inter-Ministerial Committee to Examine the Government’s Policy regarding Natural Gas in Israel", September 2012; http://energy.gov.il/English/Subjects/Natural%20Gas.
2 - شركة "بريتيش بتروليوم": المراجعة السنوية لقطاع الطاقة العالمي ؛ BP Statistical Review of World Energy, June 2013؛
3 - وكالة أسوشيتيد بريس، 24/6/2013.
4 - أنظر دراسة الخبير الأميركي ديفيد ورمسر، المستشار السابق لشركة نوبل إنرجي: David Wurmser, "The Geopolitics of Israel’s Offshore Gas Reserves"; http://jcpa.org/article/the-geopolitics-of-israels-offshore-gas-reserves/
5 - المصدر نفسه، ص 5.
6 - "غلوبس أونلاين"، 29/9/2013، عميرام بركات، "لبنان يمنح امتيازات للتنقيب عن الغاز في المنطقة المتنازع عليها مع إسرائيل".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard