سينما - "ليالٍ بلا نوم" ينبش في ذاكرة الحرب ووجوهها

10 تشرين الأول 2013 | 00:00

"ليالِ بلا نوم"، فيلم وثائقي تنطلق عروضه اليوم في الصالات المحلية.

حدث سينمائي بارز بدءاً من اليوم في ثلاث صالات. عنوان الحدث: ذاكرة الحرب التي لا تزال تؤرق عدداً من أولادها العالقين في براثن الماضي. الفيلم: "ليال بلا نوم" لاليان الراهب. الشخصيات: أسعد الشفتري، المسؤول في الجهاز الاستخباراتي التابع لـ"القوات اللبنانية" أيام الحرب؛ مريم السعيدي، أمّ لمراهق خرج مرةً من البيت ولم يعد، شأنه شأن 17 ألفاً لم يُعرَف مصيرهم حتى هذه اللحظة.

لا تصوّر اليان الراهب النسخة الرسمية والوحيدة للحرب الأهلية (1975 ــ 1990)، تلك التي ستتصدر المناهج الدراسية. نحن في مواجهة سينمائية حقيقية تذهب الى تجربة جمالية وانسانية واجتماعية وسياسية ذات عمق. هذا كله في عمل واحد، تدرك مخرجته أفقه وأخطاره وأيضاً "فائدته". ينطلق الفيلم بنوع من خفة زائفة، قبل انزالنا إلى عمق القضية، لا بل إلى عمق القضايا المتفرعة عن السؤال الأساسي، وكلها قضايا سجالية لا يتفق عليها اثنان. يبحث "ليال بلا نوم" عن حقائقنا الخفية في اللقاء الأليم بين الأمس واليوم. يتعامل النصّ مع وقائع معروفة انطلاقاً من شخصيتين: أسعد ومريم. فعل أسعد كلّ ما يمكن فعله خلال نزاع مسلح يملك فيه المرء السلطة والكلمة. قتَل وخطَف وأمر بوضع سيارات مفخخة، قبل ان يعي تدريجاً، في تلك الليالي البلا نوم، حقيقة ما فعله. المتخرج من الـ"سانت فاميّ" هذا، كان "محققاً وجلاداً وقاضياً" (بحسب ما يقوله)، ثم تملكته حاجة ملحة الى أن يبوح بجرائمه ويعتذر عنها، مكملاً فعل الاعتذار عبر المشاركة في نشاطات تربوية من تنظيم جمعيات أهلية. اقتنع بأنه سيكون "مجرماً مرتين"، اذا احتفظ لنفسه بلياليه البلا نوم.
الفيلم كله هنا: في اللحظة العلاجية التي بين الاعتراف من جهة والانصات من جهة أخرى. مع هذه الشخصية الروائية بكل ما للروائي من عمق وأبعاد ودلالات، تحملنا الراهب الى تيمة التوبة الكلاسيكية التي تمحورت عليها مئات الأفلام والروايات. شخصية ستطاردها، من محطة الى أخرى، قبل أن تقذف أمامنا تفاصيل تساعدنا على فهم ما يعاني منه المجتمع اللبناني وما فعلت به تجربة الحرب من خراب نفسي وأخلاقي ومعنوي مفتوح لن ينتهي مع انتهاء الفيلم (128 دقيقة)، علماً ان جزءاً آخر سيبقى طيّ الكتمان والتخيل. هذا الجزء الذي لا يريد الشفتري الافصاح عنه، خشية إلحاق الضرر بغيره من المشاركين في المَقاتل، يعزز البُعد الروائي في شخصيته: فرجلنا صحيحٌ تائب، لكنه تائبٌ بشروط، مفاوض على درجة عالية من الاحتراف، "مخرج" مكبوت، يتذكر التواريخ ويحارج المخرجة إن اخطأت، ومع ذلك، لا يسعه تذكر وجوه الضحايا. فالوجوه، شأنها شأن الأسماء، من صغائر الأمور في الذاكرة المغتالة. كيف يتذكرها والعلاقة المباشرة مع الضحايا مهمة الجنود الصغار. بيد ان الراهب تعلم جيداً انه لا يمكن اعادة الاعتبار الى الضحايا من دون اعطائها وجوهاً، فنجد الوجوه في كل مكان: على جدران معرض للمفقودين، في الصور المعلقة داخل المنازل، فوق سطح الشاشة. هذه الوجوه كلها يتقدمها وجه ترتسم عليه علامات الحيرة والارتباك والصدمة. انه وجه أسعد. تتوسط هذا الوجه عينان لا تحدقان في ضمير المُشاهد، بل تستمران طوال الفيلم في البحث عن نقطة ضائعة. قلقه المزمن، نادراً ما تخونه ابتسامة عابرة. "كان وجهه بشوشاً"، يلاحظ ابنه عندما يرى صورة الوالد الى جانب زعماء الحرب. مذذاك، حربٌ أخرى دارت على ذلك الوجه. الطمأنينة اولى ضحاياها. ولكنّ، ايٌّ من الوجهين أقرب الى حقيقة الشفتري؟
تصطحب المخرجة البطل المضاد الى وجوه أخرى كان وقوفها مع "اعداء القضية المسيحية" كفيلة بأن لا تسقط من ذاكرته: المطران الأحمر غريغوار حداد، المتعاطف مع الفلسطينيين. ينتهي اللقاء بنوع من تسليم وتسلم: الاعتراف مقابل الطمأنينة. عندما يخرج الشفتري من باب غرفة المستشفى حيث يركد المطران، بعد نيله الحلة، نشعر انه ترك قسطاً من ماضيه على وجه غريغوار حداد، الشاحب فجأة. تبتعد الكاميرا من الغرفة تاركةً الرجلين في صمت مهيب. تلك الغرفة المثقلة فجأةً بالخطيئة والاثم والغفران.
على الضفة الأخرى، تقف مريم. لهذه المرأة ايضاً وجهٌ. لكن وجهها لا يصمد في الذاكرة كما وجه أسعد. السبب بسيط: فهي قررت استبدال وجهها بوجه ابنها المفقود ماهر. في واحد من أكثر المشاهد طرافة، تقول لمدام عسيلي، وهي نوع من Guru أريستوقراطية تريد مساعدتها ولكن لا تعرف كيف: "أنا شخص من ورا أمّ ماهر". ماهرها غائبٌ منذ 30 عاماً ولكنه لا يزال يصرخ من معدتها مع كل طلوع للضوء. توقف الزمن عند مريم في السابع عشر من حزيران 1983. كان ماهر في صفوف الحزب الشيوعي، شاب يحلم بعملية التغيير. لا أحد يعرف ما حلّ به بعد وقوع معركة في الجامعة اللبنانية، كلية العلوم ــ الشويفات.
يجري تصوير مريم تصويراً مختلفاً عن التصوير الذي يحظى به الشفتري: للمرتكب لقطة من خلف القضبان أو داخل الأفق الضيقة، فيما للأمّ المعذبة والمكلومة الأوصال، لقطة نراها فيها ترسم وجها في اتجاه البحر. اطلالة مريم على الفيلم حاجة أكثر منها انتهاكاً لشيء ما. جزء منها واجب. مريم شخصية "مكملة" لا تحب ان تكون، على عكس أسعد. ابنها المفقود أكثر حضوراً منها في الفيلم. مريم تجر المخرجة مراراً الى سينما تسجيل المواقف والانفعال، الاغراء الذي تقاومه ببراعة أحياناً وباستسلام في أحايين اخرى. مريم لا تريد أن "تفلسف" الأمور، ويكاد كلامها يكون تلفزيونياً في بعض الأحيان، كما عندما تقول: "هناك الكثير من أمثال أسعد في مجلس النواب". في حين يأخذ الشفتري الفيلم الى الغيوم، تجرّه هي الى التراب. طبيعي: فهو يطمح الى روحانيات وهي تحتاج الى ان تسترجع إبنها من الأرض. هو، كل شيء بالنسبة اليه ماضٍ، هي كل شيء بالنسبة اليها آتٍ.
لا يساير الفيلم ولا يرضي ايّاً من الكتلتين الكلاسيكيتين، وهنا أهميته، اذ لا يمكنه أن يكون ناطقاً باسم جهة. صحيح ان المخرجة تقود رحلتها السينمائية، لكنها تُقاد ايضاً بوجود ظروف وشخصيات كهذه. طبعاً، هناك الكثير من الـ"ميز ان سين" في الفيلم، ولا نعرف درجة الدقة في نقل حقيقة الشخصيات. هذه معضلة كلّ وثائقي. بيد ان الفيلم يقفز الى فضاء الروائي، في عدد من فصوله، وتتحول عملية التقاط المشاهد الى جزء من المشروع. "انتو عم تفكروا بقضية مخطوف"، تصرخ مريم، المرأة الواقعية التي ملّت الأحلام والوعود، في وجه الراهب.
بصرياً، يواصل الفيلم العمل الجمالي الذي بدأه مع الشخصيات: صورة منزوعة الألوان، تشي بالخريف، تناوب على تشكيلها كل من جوسلين ابي جبرايل وميار الرومي. المشاهد في "فندق قادري" وفي المرتفعات تكشف عن نضج بصري لافت ومقاربة سينمائية حقيقية لا تكتفي بأهمية المادة المطروحة. يعرف النصّ متى يضعنا في الصمت وأين نستمع الى أغنية لنجاة الصغيرة.
قبل النهاية المفاجئة التي ترفع من شأن الفيلم وتمنحه سمة الوثيقة، نعرّج على مشروع "حديقة السماح": الكيتش اللبناني المقرون بإكزوتيكية النظرة الى قضية المخطوفين العالقة بين الخوف على السلم الاجتماعي ومصالح الساسة. هذا كله سيجعل المخرجة تنبش القبور بنفسها. عندما صدر "لائحة شندلر" عام 1993، اعتبر ستانلي كوبريك ان هذا الفيلم ليس عن الذين قضوا في المحارق النازية بل عن الذين تمّ انقاذهم. يسعنا قول ذلك ايضاً عن "ليال بلا نوم": انه محاولة لانقاذ ما بقي لنا من حياة من داخل الموت.

(*) "ليالٍ بلا نوم" ــ يُعرض في "متروبوليس"، "فوكس ــ فرن الشباك"، "برايم ــ بليس".

hauvick.habechian@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard