فيلم - "ميراث" فيليب عرقتنجي: وطن في سيرة

4 تشرين الأول 2013 | 01:40

مئة عام من حوادث تتكرّر.

بعد الكثير من الأفلام الوثائقية، وبعد فيلميه "بوسطة" و"تحت القصف"، يعود المخرج فيليب عرقتنجي في فيلم "ميراث" الذي يصعب تحديد هويته التي تمزج الروائي بالوثائقي في إطار السيرة الذاتية.

عام 2006 غادر عرقتنجي وطنه مع عائلته إلى فرنسا حتّى عام 2010، وكانت تلك المرّة الثالثة التي "يهرب" فيها من الحرب. في تلك الفترة كان يفكّر بعدم العودة إلى لبنان حيث العمل في السينما صعب، وحيث الحرب ما تكاد تهدأ حتى تندلع من جديد كل 15 عاماً، أو حتّى أقل! "بعد نجاح فيلم "تحت القصف" ونيله 23 جائزة، صار إسمي معروفاً عالمياً، فبدأت العمل على نصّين لفيلمين وخصوصاً أنّي وجدت حولي أكثر من منتج مستعد للمشاركة معي في الإنتاج، لكنّي كنت أشعر دائماً بالحرقة لأني تركت وطني من دون أن أودعه". ويتابع عرقتنجي شارحاً كيف بدأت فكرة الفيلم: "في فرنسا سألتني ابنتي: لماذا تركنا لبنان؟ فلم أعرف كيف أجيبها وماذا أقول لها! وبما أني قادم من عالم الوثائقي حيث كنت حريصاً على تتبّع قصص الآخرين لتحويلها أفلاماً وثائقية، رأيت في تلك اللحظة أنّ قصّتي جديرة بأن تتحوّل فيلماً... قررت البحث في الداخل هذه المرّة، وليس في الخارج، وعندها ولدت فكرة فيلم يروي سيرتي الذاتية التي تشبه سيرة أشخاصٍ كثيرين".
يتحدّث "ميراث" عن مئة عام من حوادث تتكرر حيث يعيد التاريخ نفسه في أشكال وفي أشخاص مختلفين. بحث فيليب في شجرة عائلته فإذا به يكتشف أنّ والده وجدّته وصولاً إلى سبعة أجيالٍ سابقة هربوا على الأقل مرّة في حياتهم من حربٍ عاشوها. "ما في حدا مات ب ذات البلد اللي ولد فيه!". عاد إلى لبنان وصوّر الفصل الأول من الفيلم وبحث عن ممولين، ولم يفاجأ كثيراً حين سمع من كثيرين أنّ السؤال نفسه يسكنهم: "منبقى أو منرحل؟". ظنّ عرقتنجي أنّ الفيلم سيُنجز في سنةٍ واحدة، وها ثلاثة أعوام قد مضت وبالكاد انتهى من التصوير.
في الفصل الأول يذكر عرقتنجي أنّه كان يصوّر عائلته كي يستعمل تلك المَشاهد بعد سنوات طويلة، فهل غيّر رأيه وقرّر أن يستفيد منها الآن بعدما شعر أنّ الحياة قد تكون قصيرة، وخصوصاً في ظلّ الحروب التي تغيّب الناس باكراً؟ "حرب 2006 كانت ضربة كفّ تلقيتها أيقظت فيّ كل مخاوفي الكامنة بسبب الحروب التي عشتها والتي عاشها والدي وأجدادي، وبعد هذه الحرب صرت أنظر إلى أمور كثيرة بطريقة مختلفة".
عرقتنجي الذي عاد بالزمن مئة عام ولاحظ أنّنا ندور في حلقة مفرغة، هل يرى أنّ في السنوات المقبلة سنتابع الدوران في الحلقة نفسها، أم يمكن كسرها؟ "أنا أؤمن بأنّ كسرها ممكن، ولولا هذا الإيمان لما عدت إلى لبنان". ويخبر بأنّه ليس متشائماً، وفي الوقت نفسه ليس متفائلاً، بل يقوم بما عليه القيام به، معتبراً أنّ فيلم "ميراث" هو إحدى المبادرات التي يقوم بها أفرادٌ كثيرون في لبنان بغية الخروج من الحلقة المفرغة.
في الفيلم أدخل عرقتنجي زوجته وأولاده، فإلى أيّ درجة كان الأمر دقيقاً مع أطفالٍ ربّما من المبكر عليهم عيش تلك الأفكار والصراعات؟ يسارع إلى القول: "استشرت سبعة أطباء نفسيين قبل أن أقوم بأي أمر". ويشرح أنّ الفيلم يتحدّث عن الميراث، ماذا ورثنا من أهلنا وأجدادنا وماذا نورث
أطفالنا، مشدداً على فكرة أنّ الماضي سيعود لا محالة إذا لم نواجه، وأخطاؤه ستتكرر
إذا لم نستوعبها. "الحاضر بلا ماضٍ هو كالغد بلا مستقبل". ويتابع عرقتنجي أنّ أحد أهم علماء النفس في فرنسا نصحه بألاّ يخفي
عن أطفاله المشكلات التي يواجهونها، وخصوصاً أنّ ابنته هي التي تسأل "ليش فلّينا؟"، وشرح له أنّ أفضل طريقة لإخبار الأطفال تكون عبر الوسائل الفنية، لذلك وجد عرقتنجي أنّ مشاركتهم في الفيلم ستكون مفيدة لهم.
وماذا عنه هو؟ هل شُفِي خلال رحلته في هذا الفيلم؟ يستشهد بكلام صديقةٍ هي طبيبة نفسية أكّدت أنّ هذا الفيلم يمكن اعتباره علاجياً، "ولكن لا أعرف إن كنت شُفيت... لا أعلم حتّى إن كان الشفاء التام ممكناً، لكني أكيد أنّ ثقلاً كبيراً أزيل عن كتفيّ".
تقنياً تعب عرقتنجي جداً في تحضير هذا الفيلم، وخصوصاً مع مشاهد الأرشيف "اللي ما حدا شايفها من قبل" بما أنّ الفيلم يتحدّث عن الأعوام 1913، 1917، 1921، فترة الخمسينات، فترة الستينات، 1975، وصولاً إلى 2013. "ميراث" مليء بالمؤثرات والأنيمايشن، واللافت أنّ عرقتنجي تعامل مع أكثر من شركة لبنانية ومع أكثر من شخص، فأدخل كلّ واحد لمساته وابتكاراته وأغنى الفيلم. "أنا ضد فكرة إنّو الغرب بيفهمو أكتر مِنَّا، وضد إنّو نركض عند الأجانب كل ما نحتاج لتميّز، نحنا عِنَّا كل الطاقات وفينا نعمل إشيا باهرة وحدنا".
الفيلم حالياً دخل مرحلة المونتاج والميكساج على أمل أن يكون جاهزاً مطلع السنة المقبلة. "ميراث" لن يكون مجرّد سيرة ذاتية بل قد يكون سيرة شعب وسيرة وطن... ونحن في الإنتظار.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard