كتاب - "معصية فهد العسكر" لعقيل يوسف العيدان: ظنّوا أنهم صلبوه لكن هُيِّئ لهم!

2 تشرين الأول 2013 | 00:00

لا يمكن من يعرف شيئا عن سيرة فهد العسكر إلا أن يدرك أنه إزاء سيرة شاعر فريد، ممن عاشوا حياتهم في العتمة، لكنهم تمتعوا في المقابل بوهج بصيرة باطنية، أصبح بفضلها هذا الكفيف النحيل، رشيق الروح والوجدان، شاعر القرن العشرين في بلاده.

في كتابه الجديد "معصية فهد العسكر"، الصادر عن "دار العين" في القاهرة، يقدم الباحث الكويتي عقيل يوسف العيدان إعادة قراءة لسيرة العسكر بوصفه "الوجودي" الكويتي الرائد، السابق زمنه، بحثا عن حقيقة بعيدة عن وعي أهل زمنه ومكانه، والمثير للتساؤلات.
سيرة فهد العسكر ملهمة، بوصفها سيرة شاعر مختلف رفض الكثير من القيم السائدة وانتقد السلطة الأبوية والسياسية، ووصفت قصائده بالغرائزية وبالإثارة، كما تعرض لتهم أخرى حاولت إقصاءه من المجتمع ووأد قصائده، فعاش وحيداً معتزلاً أغلب سنوات عمره القصير، ثم تعرضت قصائده للحرق لاحقاً، وبعد وفاته، وهي السيرة التي صنعت من وجوده كله فكرة شديدة الإلهام.
في كتابه المهم هذا، يتجاوز الباحث الكويتي التناول التقليدي لفهد العسكر الذي تراوح بين سرد سيرته الدرامية حينا، أو العكوف على شعره أو ما بقي من قصائده التي أحرقت على أيدي بعض أفراد عائلته حينا آخر. يؤثر العيدان أن يرصد جانباً مختلفاً يخص سيرة هذا الرجل المتفرد؛ يتمثل في كونه صاحب موقف وجودي إنساني، إضافة إلى توثيق الكتاب بمقابلات إذاعية وبعض الحوارات مع الشخصيات الكويتية ممن عايشوا العسكر وتناولوه في تلك الحوارات لرسم صورة شخصية عنه وعن موهبته الشعرية.
يقول عقيل العيدان في تقديم الكتاب إن العسكر كان على غرار الوجوديين العظام، مقيّدا بمنطق الإنسان الحي، وأن الوجودية ضخت حيوية قصوى في أفكار العسكر "الكفيف"، صاحب النظارة السوداء والنحيل حد الاختفاء، الذي أعلن في قصائده حبه لأكثر من امرأة، والإنسان الذي حلم أن يتنقل بين الحيوات برشاقة.
ولد فهد العسكر وفقا لتقديرات العديد من الكتاب في العام 1917، ودرس في الكتاتيب، ثم انتقل الى المدرسة المباركية التي كان لها أثر كبير في تعلقه بالشعر العربي، لكن أغلب دراسته كانت دينية. سافر إلى البصرة، وهناك تفتحت آفاق تفكيره، وبعد عودته إلى الكويت أقبل على قراءة كل ما يقع تحت يديه في الأدب والفكر والثقافة العامة، وهذا ما جعله يتخفف من أفكاره الدينية المتشددة. بعد التكون الثقافي والانفتاح الفكري الإنساني بدأ فهد العسكر، كما يشير الكتاب، العمل على تحويل الواقع "العيني" المعيش إلى شعر "وجودي"، فكان سعيه الحثيث لتحرير فكر المجتمع الكويتي، آنذاك، من ربقة الأفكار المفروضة عليه من خارجه، بما هي خرافات ومواضعات وثوابت أصولوية لا تمت إلى الحياة اليومية المباشرة بصلة، والسعي إلى منحه حريته الحقيقية.
يناقش المؤلف التفاصيل المتعلقة بما تعرض له العسكر من إيذاء من مجتمعه آنذاك، مفندا كل التهم التي نالت منه وبينها الاتهام بالتكفير، مستدلا على عكس ذلك بأبيات شعره ومواقف حياتية نشرت أو ذكرها المقربون من أصدقائه وسوى ذلك. كما يشير إلى جانب مهم يتعلق بالنقد السياسي الحاد واللاذع الذي عرف به العسكر تجاه السلطة السياسية آنذاك، وكانت سببا بين أسباب أخرى في تأليب المجتمع عليه. بالرغم من محاولاته للتماسك عانى في أيامه الأخيرة، واضطربت حياته حتى قيل انه هو الذي أوصى بحرق قصائده لما تسببت فيه له من ضرر. وعاش وحيدا منعزلا في غرفة رطبة مظلمة تسببت في إصابة رئتيه بالتدرن ولم يكن يزوره سوى نفر قليل ونقل الى المستشفى الأميري قبل وفاته بأسابيع قليلة عن عمر لا يتجاوز 34 عاما، في 15 آب 1951.
هذا الكتاب هو بمثابة تحية تليق بذكرى هذا الشاعر النبيل والإنسان الذي واجه النفاق الاجتماعي والثقافي والتخلف في مجتمعه على طريقته، عارفا أن مصيره الصلب، كما يعبّر المؤلف، وقد قبل مصيره بشجاعة، لكن عزاءه أن شعره وفكره وسيرة حياته أصبحت فكرة نبيلة ملهمة لكل أعداء النفاق الفكري، وكل أنصار حرية الفكر والخلق والتعبير، ليس في الكويت وحدها بل في كل مكان.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard