تحت الضوء - "البطل المتحفّظ" جديد ماريو فارغاس يوسا: الفساد سرطان فتّاك

25 أيلول 2013 | 00:00

يهدي الكاتب البيروفياني ماريو فارغاس يوسا روايته الأحدث، "البطل المتحفّظ"، الى ذاكرة صديقه ومواطنه السياسي خافيير سيلفا رويتي، ويستعيد في مطلعها قول الكاتب الأرجنتيني بورخيس في "خيط الخرافة" "إن واجبنا المثالي تخيّل وجود متاهة ووجود خيط أيضا".

لا لبس في أن روايته الأخيرة تشي بميل جليّ الى الأقصوصة لكنها تأتي ذاتية الى أبعد حدّ، لأنها تفشي رجوعه الى المنبت، الى البيرو، فيما اللقاء هذه المرة مزدوج يخصّ حياته وأدبه على السواء.
في الثاني عشر من أيلول، أُطلقت "البطل المتحفّظ" في يوم واحد في جميع البلدان الناطقة بالقشتالية، كأن الرواية لا تستقيم سوى في وسط طقس احتفالي كوني. تحلّق الملايين حول ثلاثمئة وثلاث وثمانين صفحة موزعة في عشرين فصلاً بلا عناوين، تدور بين ليما وبيورا. من النافل القول ان انتماء فارغاس يوسا الإنسان والكاتب الفائز بـنوبل الآداب يتأرجح بين هذين المكانين، وها إننا نتابعه يلقي فيهما حبكة حكايته الأكثر طزاجة. في أعقاب قطيعة دامت خمس عشرة سنة يستعيد مطرحي النشأة ليصيرا شخصيّتي تخييله المركزيتين. لكن المدينتين، للمفارقة، لا تشكّلان مساحة مادية وإنما حظيرة للتصوّر، حيث تجول شخوص مألوفة، تأتي من مكتبة تأليف فارغاس يوسا، الى جانب سواها. بيرو ها هنا ليست بلاد الإنحطاط المحتومة كما في نصوصه المنصرمة، وإنما نواة النمو الإقتصادي. يشتغل فارغاس يوسا في الرواية على قصتين، تتمحور الأولى على تاجر صغير من بيورا، فيليستو ياناكي، يتعرّض للإبتزاز، وتلاحق الثانية في الموازاة، اسماعيل كاريرا رجل أعمال نافذا يقيم في ليما ويملك شركة للتأمين.
يخيّل إلينا ان النص في أكثر من معيار، أشبه بمطيّة لحركة لهو في عرف الكاتب، نشعر بأنه يأتيه متخفّفا من كل ثقل، يدخل رواقا ويخرج من آخر، كأنه في منزله. ربما لأنه يرجع الى بيئة يعرفها فارغاس يوسا عن كثب وسبق أن سردها، وإن بنمط مختلف، قبل ثلاثة الى أربعة عقود. نتلمّس في "البطل المتحفّظ" تلك السهولة السرديّة التي عهدناها عند الكاتب، وهذا الإنسياب الذي يلبسه كقفاز ويشبهه كأنه يشكّل ندّه.
في مدينتي الطفولة والمراهقة والشباب
في "البطل المتحفّظ" عودة الى بيورا الطفولة والمراهقة إذاً، الى مدينة حيث يحتسي دون ريغوبيرتو وجبة "هريس البطاطا بلحم الخنزير" التقليدية، والى ليما البورجوازية أيضا التي حاذاها فارغاس يوسا في مرحلة شبابه مدّعية وقاسية، والى حييّ ميرافلوريس وبارانكو. يقيم الكاتب في ركن حفظه عن ظهر قلب، ويسمح بأن تتوالى الذكريات، كأنها حبّات السبحة. غير ان ليما وبيورا اختلفتا في مقاربته الراهنة. في "حديث في الكاتدرائية" بقينا على عطشنا ولم نعرف متى خربَت البيرو، أما في صفحات "البطل المتحفظ" فيسعنا معرفة متى شرعت الأمور تصطلح. الرواية رحلة الى البيرو، بلاد لم تعد كما عهدها فارغاس يوسا، حيث يبدي غبطته لما آلت اليه الأمور في أميركا اللاتينية حيث سمح الإقتصاد الحر والإنفتاح بتحسين أوضاع الطبقة الوسطى. لكن النص لا يغضّ الطرف عن نتائج النمو السلبية، عن الإجحاف الحاضر الدائم، وعن الفساد ذاك السرطان الفتاك تتغذّى في تخومه أرتال العصابات المسلحة.
أما اللافت فأن تصير الإستعادة الجغرافية في الرواية أدبيّة كذلك، تبعث شخصيات سكنت نصوصا أخرى أصدرها الكاتب ماضيا، من مثل الرقيب ليتوما المكافح والصبور الذي تقدّم رتبة منذ "ليتوما في جبال الأنديز"، حيث تقرّبنا منه. يحيي فارغاس يوسا كذلك السيد الحالم والعملي والأنيق دون ريغوبيرتو الوافد من "دفاتر دون ريغوبيرتو"، ناهيك بزوجته الثانية لوكريسيا وابنه فونتشيتو الآتيين من "مديح زوجة الأب" أيضا وأيضا.

الميلودراما الممزوجة بالفكاهة
لا نحتاج الى الغوص عميقا في الفصل الأول لنعي وقوف الرواية في أرض الميلودراما الممزوجة بالفكاهة، لتحكي قصة الرجلين فيليسيتو ياناكي واسماعيل كاريرا. نتعرف اولا الى فيليسيتو ياناكاي صاحب شركة "ناريهوالا" للنقليات الذي غادر منزله في ذاك الصباح عند السابعة والنصف، على غرار الصباحات الأخرى من الإثنين الى السبت، بعد ممارسة نصف ساعة من تمارين كي كونغ للتنفس، واستحم بمياه باردة وتناول وجبة الفطور العادية: قهوة بحليب الماعز وخبز محمص بالزبدة وقطرات من عسل تشانكاكا. يقيم الرجل في وسط بيورا، في شارع اريكيبا، حيث "سارت بعض المبتهجات صوب الكاتدرائية لحضور قداس الثامنة. في حين عرض الباعة المتجولون صائحين بضاعتهم من حلويات وصفارات وفطائر اللحم وحلى زهيدة الثمن". ينطلق خيط القصّ حين يجد ياناكاي عند عتبة منزله، رسالة بإسمه تتضمن عرضا بمساعدته على مكافحة كل محاولة مشبوهة ربما يقوم بها الخارجون على القانون إزاء شركته الناجحة التي تثير الحسد. والحال ان الإقتراح بالكاد أخفى محاولة ابتزاز. الحادثة دليلنا الى المأزق المتأتي من ثنائية الفورة الإقتصادية/الفساد في البيرو، يعاينه حوار بين الرقيب وفيليسيتو. يحاول الرقيب تهدئة روع دون فيليسيتو المستاء وهو يلوّح بالرسالة التي تلقاها للتو "حسنا حسنا. هذه نتائج التقدّم، دون"، ليضيف: "عندما كانت بيورا مدينة فقيرة، لم تحصل أمور مماثلة. من كان ليخطر في باله أن يطالب التجّار بحصص من أرباحهم؟ اليوم بات الناس أثرياء، وبدأوا يظهرون أظفارهم ويبيّنون رغبة في عقد الصفقات الناجحة".
يكتفي عنوان "البطل المتحفّظ" بذاته ويذكّر بالأمثولة الأخلاقية، ناهيك بحمله إشارات الى مناخ الكاتب الإسباني من العصر الذهبي بالتاثار غراثييان، المتخصص بالنثر التعليمي والفلسفي. في الرواية، وعلى نسق النصوص البيزنطية، يبقى الأهم الإفصاح عن الهويات للقول إنه، وفي أعقاب الصولات والجولات المنهكة، تحلّ الخاتمة السعيدة والعادلة. في النهاية، تتشابك القطع السردية لتبلغ جميع الشخصيات الروائية الأهليّة أو تنال شهادة على استحقاقها، كما هي حال الصيني لاو، المحمي من فيليسيتو ياناكي. لا مفرّ تاليا من الثواب والعقاب.
في مطلع الرواية كما أسلفنا، يستبقي فارغاس يوسا الحديث عن المتاهة والخيط، لكنه يتفادى ما يليهما في كلام بورخيس حيث يجزم متشائما اننا لن نعثر على الخيط. ربما وجدناه ثم ضيّعناه في فعل إيمان، أو في كلمات أو في السعادة البسيطة والأساسية. تأخذنا متاهة "البطل المتحفّظ" بعيدا من نقاط الإرتكاز ربما، لكن خيط القصّ يدلّنا الى عتبة الوصول الآمن.

roula.rached@annahar.com.lb
Twitter: @Roula_Rached77

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard