حظرٌ جديد في تاريخ "الإخوان المسلمين" يضعهم أمام مفترق طرق موتٌ سريري للتنظيم وعودة إلى السرية أم فألٌ حَسَنٌ

24 أيلول 2013 | 00:00

صورة من الارشيف مؤرخة 1 تموز 2013 لاقتحام مقر "الاخوان المسلمين" في المقطم. (أ ب)

بعد خطوة مماثلة عامي 1948 و1954، دخلت جماعة "الاخوان المسلمين" في دائرة الحظر امس، وهو أمر متوقع في مسار الاحداث في مصر منذ "ثورة 30 يونيو"، ليعود هذا الفصيل، الذي صمد مع تغيير كل أنظمة الحكم في البلاد، الى الظل الذي طبع معظم تاريخه.

صدر القرار عن محكمة القاهرة للأمور المستعجلة. وهو ينص على "حظر كل نشاطات تنظيم "الاخوان المسلمين" في جمهورية مصر العربية وجماعة "الإخوان المسلمين" المنبثقة منه وجمعية "الإخوان المسلمين" وأي مؤسسة متفرعة منه أو تابعة للجماعة أو تتلقى منها دعماً مالياً". وكذلك يقضي بـ"التحفظ على جميع أموال الجماعة السائلة والمنقولة والعقارية على أن يتم تأليف لجنة مستقلة من مجلس الوزراء تتولى إدارة هذه الأموال لحين صدور أحكام قضائية نهائية تتعلق بالجماعة في شأن ما نسب إليها وأعضائها من اتهامات جنائية تتعلق بالأمن القومي وتكدير الأمن والسلم العام".
وجاء كذلك في حيثيات الحكم أن "تنظيم جماعة الإخوان الذي أنشأه حسن البنا عام 1928 اتخذ الإسلام غطاءً وستاراً". وعندما وصل إلى الحكم أهدر حقوق المواطنين "الذين لم يجدوا فى عهده إلا التنكيل والاستعلاء، وزادت أحوال المواطنين سوءًاً فخرجوا في ثورة 30 يونيو بسلمية يعبِّرون عن رفضهم للظلم".
ويفيد تاريخ "الإخوان" أن الجماعة عملت سنة وشهرين بعد تأسيسها من دون ترخيص، ثم سجلت نفسها في أيار 1929 لدى وزارة الداخلية ليكون لها مقر ومسجد ومدرسة. ونص قانونها الأول عام 1930 على أنها لا تعمل بالسياسة.
وعام 1942 ترشح البنا للانتخابات عن دائرة الاسماعيلية. لكن رئيس الوزراء مصطفى النحاس باشا رفض ضغوطاً بريطانية لقبول الإسلامي الصاعد، ففاوضه على التراجع كي لا تُحل الجماعة. غير أن القرار اتخذه الملك فاروق بعد ست سنوات، وشمل كذلك مصادرة الأموال وتوقيف معظم الأعضاء رداً على اغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي باشا.
وأفتت محكمة القضاء الإداري في كانون الأول 1951 بأن جماعة "الإخوان" لا تخالف شروط دستور عام 1923 وأبطلت قرار حلها.
وتجددت المواجهة مع نظام الضباط الأحرار الذي قام بـ"ثورة 23 – يوليو" واعتبر "الإخوان" حزباً سياسياً يخضع لأمر مجلس قيادة الثورة حل الأحزاب. وبعد كر وفر، حظرت محكمة عسكرية الجماعة عام 1954 في عهد الرئيس جمال عبد الناصر.

ثروت الخرباوي
وسألت "النهار" المحامي ثروت الخرباوي المنشق عن "الإخوان" منذ عام 2002 عن تفسيره للحُكم وطريقة تنفيذه، بعدما رأى مقربون من الجماعة أن محكمة القاهرة للأمور المستعجلة غير مؤهلة لإصداره وأنه من اختصاص محكمة القضاء الإداري التي ستصدر بعد أيام حُكمها في توصية هيئة مفوضي الدولة بحظر الجماعة، فاجاب بأن الحكم يشمل جمعية "الإخوان المسلمين" وقد تأسست العام الماضي على أنها "جمعية مدنية"، ويتولى رئاستها المرشد السابق مهدي عاكف. أما حزب الحرية والعدالة فينص برنامجه على أنه الذراع السياسية للجماعة، وهذا يعني حله وكل ما انبثق منه بما في ذلك صحيفته.
وعن سبل ضبط الأموال وتحديد الجمعيات المرتبطة بـ"الإخوان"، أوضح الخرباوي أن التبرعات تُثبت في سجلات هيئة الضرائب ووزارة التضامن الاجتماعي، لأن ذلك يُسهل الحصول على خصم ضريبي. وتالياً فإن التدقيق في الملفات سيقود إلى كل متقاضي الأموال من "الإخوان" باستثناء من خالف القوانين في ذلك. وأضاف أن للجماعة أكثر من 250 مقراً في البلاد تشكل "ثروة عقارية"، أبرزها الفرع الرئيسي في المقطم الذي يقدر ثمنه بـ30 مليون جنيه. وهناك شركات ورد ذكرها في حكم أصدرته المحكمة العسكرية عام 2008 وقضى بسجن خيرت الشاطر، النائب الأول الحالي للمرشد، ومصادرة أمواله وآخرين. وبعد "ثورة 25 يناير" حصل الشاطر على تعويض مقداره 200 مليون جنيه على مصادرة الممتلكات، وهذا مؤشر لقيمتها الكبيرة.
وشدد الخرباوي على وجوب التمييز بين "التنظيم والفكرة، فالفكرة لن تموت، وإن يكن تجب مواجهتها مجتمعياً وليس قضائياً أو أمنياً لجبه تطرفها. أما التنظيم الذي يحمل الفكرة فهو في حال موت سريري وفي طريقه إلى الموت الأبدي".
ورأى أنه مع توالي الضربات الأمنية، ستنقسم الجماعة ثلاث "جماعات" على الأقل وهي ستتخاصم وتتناحر. الأولى ستعتمد العنف والمزيد من التشدد، والثانية ترتمي في كنف التدين الصوفي أو التعبدي، والثالثة تختار العمل السياسي بعيدا من مسمى "الاخوان المسلمين" الذي لم يعد ممكنا استخدامه قانوناً، وستجد ضالتها في شخص المرشح الرئاسي السابق عبد المنعم ابو الفتوح.
وهل جنوح البعض الى العنف يعني عودة "النظام الخاص" الذي تطرق اليه في كتابه "سر المعبد"، وفيه أفاد ان هذا الكيان نشط قبل ثورة 1952، وان البنا كان انشأه عام 1939 "بعيدا من اعين الجماعة المدنية وجعله سريا"، وعلى رأسه "رجال لا يفقهون، فجروا واغتالوا، كله باسم الاسلام"؟ فيجيب الخرباوي ان المرشد العام الخامس لـ"الاخوان" مصطفى مشهور أعاد العمل به عام 1988، وتولاه بعده محمود عزت الذي عين مرشدا موقتا بعد توقيف المرشد الحالي محمد بديع.
ووصف عزت بأنه المرشد الحقيقي، ولم تكن جماعة "الاخوان" لتضحي به، فأخرجته الى قطاع غزة منذ 27 حزيران. وكان ورد في كتاب "سر المعبد" عنه انه "خزينة اسرار الاخوان الباطنية"، وتولى مسؤوليات معسكرات تدريب عسكري ظاهرها رياضي.
ويدفع الحديث عن غزة الى السؤال عن مصير التنظيم الدولي لـ"الاخوان" وارتباط حركة المقاومة الاسلامية "حماس" به بعد مسارعة جبهة العمل الاسلامي في الاردن الى التأكيد ان القرار القضائي المصري لا يؤثر عليها. قال الخرباوي ان الحركة الفلسطينية هي في حقيقتها "اداة سياسية وجيش للاخوان" على حدود مصر للتدخل فيها وقت الازمات. وهذا ما حدث في المواجهة مع الجيش في سيناء". واضاف ان "مشروع الاسلام السياسي الذي ابتدعه البنا سقط، ومنه خرج التنظيم الدولي، ورأسه في مصر". وتوقع ان تصير الجماعات القائمة على فكر "الاخوان" في الخارج "جزرا معزولة".

محمد محسن أبو النور
غير أن الصحافي الوثيق الصلة بـ"الإخوان" محمد محسن أبو النور خالف الخرباوي الرأي. ففي نظره أن "حماس" لا تحتاج الى التنظيم الدولي بعدما حسنت علاقتها بإيران. ووصف الحكم القضائي بأنه "سياسي بامتياز من حيث توقيته وصيغته القانونية"، وربما أتى في إطار "خطوات استباقية من سلطة الانقلاب بدهاء تُحسد عليه". وحذر من أن الحكم يوفر الغطاء القانوني لاعتقال أي منصوٍ في "الإخوان" بتهمة "الانتماء إلى جماعة محظورة"، مع العلم أن قيادات الجماعة أوقفت بتهم أخرى.
وتوقع أبو النور عودة الجماعة إلى العمل السري، مشيراً إلى أنها انتهجت بعد "ثورة 25 يناير" مبدأ "علنية الدعوة وسرية التنظيم". ورأى أن الحكم يخدم الجماعة التي "اتكأت تاريخياً على تعاطف الجماهير، ووجودها في خندق المستضعفين يقوي مكانتها الاجتماعية".
وإذ أشار إلى أن "الإخوان كتلة اقتصادية أساسية في الحياة المالية المصرية"، دعا إلى الالتفات إلى "الوضع الاقتصادي الغارق في الحضيض". واعتبر أن "الانقلاب سيسقط قريباً"، كاشفاً أن قيادياً في "الإخوان" أبلغه بعد صدور الحُكم أن "الحظر فأل جيد".
وبينما تواصل المسيرة الانتقالية التقدم، وإن بخطى بطيئة، إذ من المتوقع الانتهاء من وضع الدستور المعدل في نهاية تشرين الثاني، تدخل "الإخوان المسلمين" مرحلة جديدة في مسارها الطويل، والأيام الآتية ستثبت ما اذا كانت "موتاً سريرياً" أو "فألاً جيداً".

sawssan.abouzahr@annahar.com.lb
Twitter : @SawssanAbouZahr

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard