"ليل" لجورج يرق عن الثأر بالجنس!

24 أيلول 2013 | 00:00

يجد الكاتب جورج يرق، في باكورته الروائية "ليل" ("مختارات")، احتمال ترويض الذنوب بإرفاق صور الحرب بالرغبات المتراكمة في رجل لم يضاجع امرأة طوال 11 عاماً. البطل "قواتي" آمن بالسلاح كوسيلة لانتصار القضية، ومتأخراً أدرك انه لم يصنع سوى الحاجة الى الهرب من العقاب.

مكث مروان حبيب، المقاتل السابق في حزب "القوات اللبنانية" خلال مرحلة الحرب الأهلية، أعواماً في الدير هرباً من المخابرات السورية. يختار العام 2005 زماناً لنصّ يتقدّمه تنبيه الى أن حوادثه محض مصادفة. يتحرر السرد معنوياً من ماضيه الضاغط، مع الخروج من الدير الذي تزامن مع خروج رئيس "القوات" سمير جعجع من المعتقل، بعدما أمضى فيه المدة عينها التي أمضاها البطل بين الرهبان. سريعاً يمرّ على تحوّلات المجتمع اللبناني بعد 2005، متطرّقاً الى الاغتيالات كجزء من حتمية الاستمرار بعد تقبّل الفظاعة.
"اللعبة" الزمنية في خلفية السرد تصنع تناقضاته، من غير ان تشوّه تصاعده التدريجي نحو كثافة الهزيمة. شخصية البطل لا تحسن "الانفلاش" على الورق طويلاً من دون آخر يملي عليها سبباً للبقاء. يصبح التضاد تركيبة حربية أخرى قوامها "حريته" من نظام العيش في الدير، فالتيه وسط متطلّبات الحياة الخارجية. هربه الى "السوبر نايت" واشتهاؤه الراقصات من غير ان يملك مالاً يزيد على ثمن زجاجة ويسكي وليلة جنس في فندق رخيص، يصوّر مطاردة النفس لمفاهيم السعادة بين أفخاذ النساء، كما سبق ان طاردت الانتصار بين خطوط التماس. ما إن أخذ أنوشكا بعد طول انكماش حتى أتى، في مشهد اختصار لخيبات بلد الحروب الدائمة.
ليست مصادفة ان يلجأ رجل تائه الى الافتراض بحثاً عن حقائق يخشى استحالتها، كالنساء والمال، بعدما تعاطى مع الحرب كقضية أخلاقية، فيما كثرٌ غرّرت "الغنائم" بهم فأصبحوا أثرياء. كاثرين، الوحيدة التي استجابت لرسائله "الفايسبوكية" كما شاء الاستجابة، امرأة ضريرة، ثرية، مطلّقة، وأم لشاب. يريد يرق تغلغل الوحدة في البطلين على طريقة العودة الى الوراء، أي الى الأيام التي فقدت الجمال حين فقدت المعنى. فالإجازة في التاريخ، لم تحضّ بطله على "النضال" من أجل حياة أفضل. انتظر الحظ ليخلّصه من "الفواييه" القذر القريب من "البور" حيث يعمل مع بو ريمون الذي خُطف ابنه في الحرب، ومن "الكوبرا" حيث النساء يضفن على حياته عذوبة ويجعلنها أقل قسوة.
تشكّل الحرب سلطة وجودية على شخصيةٍ اعتادت التحمّل وفقدان القدرة على الحلم. كأن الراوي "يتلذذ" بالتفرّج على قبور نسي الحفّار اغلاقها. في سرده مأزقٌ ان يكون الدفن إكراماً للميت أم إهانة لأسباب موته. نجده عاجزاً على التخلّص من الصور.
فالرجل الضالع في تغيير الأسماء بحسب المهمات المطلوب انجازها، يتسامى عن ذكريات الحرب بتفاصيل إيروتيكية عن جسد النساء وصراخهن قبيل الرعشة. لكن بشاعة الذاكرة تظلّ تنهشه في الليل على هيئة كوابيس من استغاثة أطفال ووجع ضمير وجثث لم يجرؤ على الاقتراب منها خوفاً من رصاصة قناص.
المصير غامض جراء ضيق الاحتمالات. تغدو كاثرين محاولةً عقيمة لطيّ صفحة الحرب، فيحاول من خلال السرد ان يدفعها قدماً، عساه يشعر بالأمان.
يخذله الخلاص، فيختار ان يترك الفصول مشرّعة على غير صفعة. لعل اصراره على ذكر "تفكيك ألغام ضد الأشخاص والآليات المدرّعة" في عداد مؤهلاته، لكأنه يطلب وظيفة في ثكنة وليس في شركة، كافٍ ليظلّ حبيس العمى في عينيّ عشيقةٍ أعادته الى الحياة جسداً لا قيمة له لولا "شيئه" الذي ينفّذ أوامرها.

fatima.abdallah@annahar.com.lb
Twitter: @abdallah_fatima

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard