"دروس" 11 أيلول سقطت في سوريا بعد 12 سنة عودة الانعزالية ورفض الحروب الاستباقية ولو من بعد

12 أيلول 2013 | 00:00

شروق الشمس أمس على الحوض الشمالي لنصب ضحايا هجمات 11 أيلول في نيويورك، في الذكرى الـ12 لهذه الهجمات. (أ ف ب)

تذكر الأميركيون أمس 2996 من مواطنيهم قضوا في هجمات 11 أيلول 2001 على واشنطن ونيويورك. وقف الرئيس باراك أوباما لحظات من الصمت بعدما قال الثلثاء إن في وسع الولايات المتحدة، وإن تكن "ليست شرطي العالم"، التصدي لقتل الأولاد بالغاز في سوريا. لكن بلاده التي خاضت حربين في 12 سنة، وحرباً من بُعد في ليبيا، غير راغبة في تكرار التجربة، كائنة ما كانت المسميات.

هذه السنة كان لـ 11 أيلول معنى آخر امتزجت فيه المرارة بالخيبة. إنها الذكرى الأولى للهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي واغتيال السفير في ليبيا كريس ستيفنس، وهي حادثة لا تزال من دون اجوبة واضحة تشفي غليل الكونغرس المقتنع بالتقصير الاستخباري للادارة الأميركية.
ومن المصادفات، وربما المفارقات، أنه كان يُفترض أن يصوّت مجلس الشيوخ في 11 أيلول، على مشروع قرار يجيز لأوباما التدخل العسكري في سوريا، لكن الاقتراح الروسي نزع الترسانة الكيميائية لدمشق اعاد خلط الأوراق. أضف أن الكونغرس بدوره غير متحمس للانخراط في مغامرة عسكرية غير محسوبة النتائج.
ندوب الصفعة التي تلقتها الولايات المتحدة في 11 أيلول لم تندمل بعد. وإذا كانت جلسات المشرّعين ضجت بالمقارنات بين العراق وسوريا، فإن الشبه الأقرب هو مع ليبيا. ومع ذلك، ليس سهلاً أن يفهم المواطن العادي الحاجة الملحة لمساعدة الشعب السوري بعدما قيل له إن بلاده قامت بالمثل في ليبيا حيث أطيح طاغية في سبيل إقامة الديموقراطية المنشودة، فإذا بالحكم الموقت يتعثر وتعلو قبضة الميليشيات وتنتشر الجماعات الجهادية المتشددة المرتبطة بتنظيم "القاعدة" ويسقط ستيفنس ضحية لها، مع أنه من الأصوات الأولى في الإدارة الأميركية التي دعمت "ثورة 17 فبراير" الليبية. ولا أن يصدق الأميركي العادي أن الترسانة الكيميائية لسوريا تشكل خطراً على أمنه القومي، فهي دولة بعيدة جداً يجهل كثيرون موقعها.

بعد 12 سنة
حتى حدث بحجم 11 أيلول 2001 وقربه الزمني الذي لم يمحه بعد من ذاكرة معظم الأميركيين، غرق في الشكليات الروتينية كما لاحظت "النيويورك تايمس" أمس.
ثم أنه بات يخضع للتشكيك. فقد أظهر استطلاع للرأي نشر الاثنين أن 38 في المئة من الأميركيين غير مقتنعين بالرواية الرسمية لما حدث، وعشرة في المئة منهم لا يصدقونها على الإطلاق، و46 في المئة لم يكونوا على علم بانهيار برج ثالث في ذاك اليوم.
عام 2001 كانت أميركا جريحة، ضُربت في عقر دارها، وطلب أبناؤها الانتقام. العدو واضح، تنظيم "القاعدة"، صنيعة الولايات المتحدة نفسها في مرحلة سابقة. أُعد سريعاً للعملية العسكرية في أفغانستان وقامت "الحرب على الإرهاب". وبعد 12 سنة لم يبق أثر لتلك الحملة حتى في الخطب الأميركية الرسمية، وخصوصاً بعد مقتل أسامة بن لادن قبيل الذكرى العاشرة للهجمات.
والتجربة في أفغانستان تميل إلى الفشل أكثر منها الى النجاح. صحيح أن دولة ضعيفة قامت وتقدمت أوضاع النساء كخطى السلحفاة، غير أن أفغانستان لا تزال بؤرة غير مستقرة و"طالبان" استعادت موطئ قدم لها، لا بل صارت تحظى باعتراف، ولها مكتب تمثيلي في قطر.
أما في العراق، فكانت الذريعة أسلحة الدمار الشامل التي تبين أنها لم تكن موجودة. وعلى غرار أفغانستان، تخبط العراق في الفوضى وتميزت السياسات الأميركية بقُصر نظر فادح، من حل الجيش إلى فضائح سجن أبو غريب.
ولم تكن تلك المرة الأولى تستند الولايات المتحدة إلى معلومات استخبارية غير دقيقة لتبرير تدخل عسكري، ففي عام 2003 أقر وزير الدفاع في حرب فيتنام روبرت ماكنمارا أن واشنطن خاضتها بناء على تقارير خاطئة مفادها ان جمهورية فيتنام الديموقراطية (فيتنام الشمالية) هاجمت مدمرة أميركية في خليج تونكين.
وإذا كانت "القاعدة" تراجعت في أفغانستان وباكستان، فإنها ازدادت حضوراً في شمال أفريقيا، وخصوصاً بعد ثورات "الربيع العربي". وليس خافياً حضورها في سوريا من خلال "الدولة الاسلامية في العراق والشام". لذلك تحفل المنتديات الأميركية المناهضة للحرب بتساؤلات من قبيل هل انتقلت الولايات المتحدة إلى الضفة الأخرى وصارت حليفة للتنظيم الذي أعلنت الحرب عليه قبل 12 سنة؟ وانتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي صور لعسكريين أميركيين يخفون وجوههم بأوراق كتب فيها: "لن أقاتل في سبيل القاعدة" أو "أوباما، لن أقاتل من أجل ثوار القاعدة في سوريا".
ولا يقتصر هذا الرأي على المنتديات وصفحات "فايسبوك" و"تويتر"، بل وجد صداه في وسائل الإعلام. فقد رأى بريان روس، كبير المراسلين الاستقصائيين لشبكة "إي بي سي" الأميركية للتلفزيون، أن "دور جماعات "القاعدة" التي تقاتل (نظام الرئيس السوري بشار) الأسد هو من المفارقات الكبرى للضربة الأميركية المحتملة لسوريا".
الأسد نفسه أثار هذا الأمر في حديثه الى شبكة "سي بي أس" الأميركية للتلفزيون الاثنين، إذ وصف الضربة العسكرية المتوقعة بأنها "حرب ضد مصلحة أميركا. إنها حرب ستؤدي إلى دعم "القاعدة" والناس الذين قتلوا أميركيين في 11 أيلول".
وقارنت صحيفة "الواشنطن تايمس" بين أوباما وسلفه جورج بوش الذي كان يحظى بشعبية وصلت إلى 90 في المئة بعد هجمات عام 2001، فرأت أن نهج بوش نجح لأنه كان قوياً وحازماً، بينما يشجع أوباما الإسلاميين، وإن لم يقر بذلك.
وكان بوش قال في آب 2006 إن من دروس 11 أيلول التصدي للأخطار قبل بروزها. غير أن الأزمة السورية أثبتت أن هذا الدرس لم يعد مهماً عام 2013. ولاحظت "النيويورك تايمس" أن "الليبراليين انضموا إلى الصقور السابقين في إعادة اكتشاف الانعزالية"، ولكن "ليس علينا أن نكون انعزاليين، علينا فقط الابتعاد عن المسائل المعقدة... لقد فشلنا في التدخل مرات عدة، وأحياناً كانت النتائج حصول إبادة جماعية. قلة في حاجة الى تذكيرها بما كانت عليه أوروبا قبل بيرل هاربر، أو تذكيرها برواندا والبوسنة". وأضافت: "تدخلنا كذلك للأسباب الخاطئة وبالوسائل الخاطئة مرات عدة. قلة في حاجة الى تذكيرها بالفيليبين وفيتنام والعراق".
وفي ما يتعلق بسوريا تساءلت الصحيفة: "كيف يمكننا الزعم أننا ندرك ماهية الصواب ونحن نواصل الانخراط في أعمال خاطئة؟ ولو كان التدخل (العسكري) الخيار الأفضل، لا بد من أمرين لإضفاء الشرعية عليه، موافقة الكونغرس وائتلاف جدي"، وهذا يتجاوز الولايات المتحدة وفرنسا والدانمارك فقط. وللتذكير فإن 46 دولة شاركت في الحملة على العراق.
أميركا تغيرت بعد 11 أيلول، والعالم كذلك، لم يعد أحادياً كما كان في حينه بعدما استعادت روسيا المكانة التي كانت للاتحاد السوفياتي. وأظهرت السنوات الأخيرة أنه لا يمكن واشنطن تجاوز موسكو في ملفات متشعبة مثل الملف النووي الإيراني والأزمة السورية.
وبينما تذكرت أميركا ضحاياها التي سقطت في نيويورك وواشنطن وبنغازي، وجد الأسد متسعاً للاحتفال، ليس فقط لأن دهاء أصدقائه الروس أنقذه ونظامه إلى أجل غير مسمى، بل لأنه أتم في 11 أيلول 2013 عامه الـ48.

sawssan.abouzahr@annahar.com.lb SawssanAbouZahr@

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard