"السلسلة" خشبة خلاص الطبقة الوسطى

10 أيلول 2013 | 00:00

خلال إطلاق تقرير البنك الدولي عن أداء لبنان الاقتصادي أخيراً، زعم بعض المشاركين أن من شأن تصحيح الأجور المقترح أن يترك تبعات اقتصادية وخيمة على الاقتصاد اللبناني في حال السير به.

أضافوا أن زيادة الأجور من شأنها أن تزيد معدّل التضخم نظراً إلى ارتفاع الضرائب، وأن تزيد كلفة الخدمات المالية على كاهل القطاع الخاص من خلال ارتفاع معدلات الفوائد، وأن ترسّخ العجز في القطاع العام بسبب عدم استحقاق التصحيح. لكن ما يزعمه هؤلاء مضلل في أفضل الحالات. ففي المقام الأول، لن تؤدي زيادة الضرائب إلى غلاء المعيشة إن فُرضت الضرائب الملائمة؛ ولن ترتفع معدلات الفائدة على قروض القطاع الخاص بالضرورة إذ أن معدّلات الفائدة في لبنان لا تخضع لديناميات السوق وفقاً لما يُزعم غالباً؛ ولن ينجح ربط زيادة الأجور بإصلاح القطاع العام، وإن كان مرغوباً، بسبب طبيعة الدولة الطائفية. وقبل التطرّق إلى كلّ من هذه المسائل، فلنلقِ نظرةً إلى السياق العام.
بعد أن نظّم موظفو القطاع العام والمعلّمون في المدارس الرسمية والخاصة إضرابات وتظاهرات عدّة في بداية العام 2013، أقرّت الحكومة في آذار 2013 (قبل استقالتها) سلسلة الرتب والرواتب لموظفي القطاع العام. أحيلت السلسلة، بالإضافة إلى حزمة واردات مقترحة لتمويل تكلفتها، إلى مجلس النواب حيث من المفترض أن تُدرس. ترى هيئة التنسيق النقابية، وهي الهيئة التي تمثّل مصالح 230 ألف موظف في القطاع العام ومعلّم في المدارس الرسمية، أي 16% من اليد العاملة، أن زيادة الرواتب والأجور ضرورية للتعويض عن الخسارة في القدرة الشرائية منذ العام 1997. فحصّة الرواتب من إجمالي الناتج المحلي تراجعت إلى 22% فحسب، بعد أن بلغت 60% تقريباً في السبعينات.
يرى مناهضو زيادة الرواتب، ومنهم وزاراء وممثلون عن القطاع الخاص كما وكالات التنمية الدولية، أن كلفة تصحيح الرواتب والأجور (التي قُدّرت كلفتها بقيمة 1.3 مليار دولار، أو ما يوازي 3% من إجمالي الناتج المحلي) ستترك تبعات وخيمة على الاقتصاد. ويعتبر هؤلاء أن سلسلة الرواتب الجديدة من شأنها أن تزيد النفقات. ونظراً إلى ارتفاع الدين العام، يجب تمويل هذه الزيادة من خلال فرض ضرائب جديدة أو زيادة الضرائب الحالية، ما يؤدي إلى غلاء المعيشة وتفاقم الركود الاقتصادي. ويضيف هؤلاء أن مراجعة المهمات وتحسين الفاعلية ضروريان قبل المضي في أي زيادة في الرواتب الأجور بهدف معالجة التضخم والعجز في القطاع العام.
في حجج المناهضين مغالطات عدّة. في المقام الأول، لا تؤدي زيادة الضرائب تلقائياً إلى ازدياد معدّل التضخم، إذ يعتمد ذلك على نوع الضرائب المفروضة من جهةٍ، وقدرة قطاع الإنتاج على تحويل العبء الضريبي إلى المستهلك من جهةٍ أخرى. على سبيل المثال، تؤثر إضافة طابع مالي إلى فواتير الهاتف (وهو شكل من الضرائب غير المباشرة المقترحة) مباشرةً على تكلفة الاتصالات. لكن الضريبة على الأرباح العقارية، وهي ضريبة مباشرة، لن تؤدي إلى زيادة تلقائية في أسعار المكاتب أو الشقق السكنية، لأن المضارب العقاري كمستثمر، لا يمكنه زيادة سعر العقارات للتعويض عن تأثير الضريبة، إذ أن هذه الأسعار مرتبطة بالعرض والطلب. والجدير بالذكر أن ضرائب الدخل على الأرباح متدنية جداً في لبنان مقارنة بإجمالي الناتج المحلي (أقل من 2%)، نظراً إلى أن التهرّب الضريبي مستشرٍ على المستويات كافة. لذلك، بمقدور الاقتصاد اللبناني أن يتحمّل عبء الضرائب الإضافية المباشرة، ولا سيّما تلك المفروضة على الأرباح العالية من أرباح العقارات وأنواع أخرى من المدخول الريعي.
ثانياً، يحذّر مناهضون لزيادة الرواتب من وجوب زيادة معدلات الفائدة على سندات الخزينة لتمويل العجز الذي يُعزى إلى ازدياد الإنفاق على الرواتب، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى ارتفاع كلفة الإقراض للقطاع الخاص. لكن هذه الحجة باطلة ببساطة. فسندات الخزينة في لبنان لا ترعاها قاعدة العرض والطلب التقليدية، نظراً إلى الروابط الوثيقة بين القطاع المصرفي المحلي الخاص (الذي يتحمل غالبية الدين العام) والحكومة (مصرف لبنان أو وزارة المال). قد تكون الحجة بشأن تأثير هذه الزيادة على كلفة الإقراض للقطاع الخاص مقبولةً في بلدٍ يتّسم بسوق مالية فعالة، إذ عادةً ما تلحق معدّلات الفائدة المصرفية معدّلات الفائدة على سندات الخزينة. لكن الأسواق المالية في لبنان لا تُعرف بفاعليتها، ولا تؤدي المصارف دوراً فاعلاً في الإقراض إلى القطاعات المنتجة بمعدلات فائدة منخفضة وبشروط ميسّرة. فالمصارف المحلية راضية كلّ الرضى بمدخولها الثابت من سندات الخزينة، وبالتالي لا تدخل في منافسة محتدمة لتخفيض كلفة الإقراض للقطاع الخاص.
ثالثاً، إن الحجة المدافعة عن ضرورة توخي الفاعلية والإنتاجية في زيادة في الأجور في المقام الأول هي حجة لا تتناغم والديناميات الحالية للاقتصاد اللبناني. صحيح أن ترشيد القطاع العام وزيادة إنتاجيته اساسيان، لكن في لبنان اقتناع واسع النطاق باستحالة إدخال أي إصلاح جدي ببساطة نظراً إلى طائفية الدولة اللبنانية والشرخ العميق في المشهد السياسي اللبناني. فحرمان موظفي القطاع العام من حقوقهم بالعيش الكريم، ولا سيّما إعادة تعزيز القدرة الشرائية لرواتبهم وتعويضاتهم، قد يقضي على أحد آخر أركان ما تبقّى من الطبقة الوسطى اللبنانية. ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى استقطاب شديد في لبنان، ويقوّض الاستهلاك المحلي، الذي ما زال يشكل أحد أهم محرّكات الاقتصاد اللبناني.
في غياب أي خطة جدية لإعادة هيكلة القطاع العام والاقتصاد عموماً، لا بدّ من السير في تصحيح الرواتب الأجور بهدف المحافظة على القدرة الشرائية المتراجعة للطبقة الوسطى، وإلاّ يقع الأفراد أسرى الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي لم يلح بصيصها حتى الساعة في الأفق. بوضوحٍ أكبر، قد تدفع الطبقة الوسطى ثمن النظام الاقتصادي الذي لا يفيد سوى فئة محدودة من المواطنين.

أستاذ في الجامعة الأميركية في بيروت - باحث في المركز اللبناني للدراسات

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard