البندقية -٧٤ "الفيللا": روبير غيديغيان يدغدغ القلب على دفعات!

6 أيلول 2017 | 00:00

"الفيللا"، الفيلم رقم ٢٠ في مسيرة روبير غيديغيان، من أرق الأفلام المعروضة هذه السنة في مسابقة "موسترا" البندقية (٢٩ آب - ٩ أيلول). عمل رصين يعبق بالحنان والأحاسيس المرهفة التي تأتي على دفعات وبشكل تصاعدي. هذا أنشودة تدغدغ القلب. عودة إلى الينبوع.  

المخرج الفرنسي الذي تركنا على تداعيات القضية الأرمنية في الأجيال ما بعد الإبادة ("قصة مجنون" - ٢٠١٥)، يعود إلى أشياء يعرفها جيداً ويجيد كيفية سردها: العلاقات بين البشر. فما بالك إذا كانت هذه العلاقة تحدث في بيئة طبيعية، والحبكة متينة والخلفية الدخيلة إلى الفيلم من وحي الزمن المضطرب الذي نعيشه؟

عادةً، لا ننتظر تقلّبات درامية كبيرة في أفلام هذا السينمائي الذي يجتهد منذ ما يقارب الأربعين عاماً لينجز سينما محورها ناس عاديون أصحاب شؤون عادية، دائماً مع الطاقم نفسه من المثلين (وبعض التقنيين)، تتقدمهم زوجته الممثلة آريان أسكاريد التي أطلت في ١٩ من أفلام زوجها. فسينماه هي سينما شخصيات في المقام الأول، لا سينما "حواديت".

هناك أولاً الديكور حيث تجتمع الشخصيات: الفيللا العائلية التي لا يزال يحوم فوقها طيف أب دخل في شبه غيبوبة بعد إصابته بسكتة دماغية، وعلى الأشقّاء الثلاثة الاهتمام به ورعايته. كلّ واحد منهم يتعامل مع المحنة على طريقته. الشقيق الذي يضطلع بدوره جان بيار داروسان، فيلسوف محبط غادرته حبيبته التي تصغره سناً وهو يساري "تبرجز" (أصبح بورجوازياً) نوعاً ما. الأخ الثاني (جيرار ميلان) ودود يقصّ الأغصان غير المرغوب بها في البرية ويخطّط لاستحداث المطعم الذي تركه له والده. تبقى الشقيقة (أسكاريد). هي البيت القصيد. إنها العائدة بعد فترة غياب عشرين سنة لتواجه تراجيديا عائلية كانت حلّت في هذا المكان: وفاة ابنتها الصغيرة غرقاً. حولها، عدد من القصص ستتشابك…

صوَّر غيديغيان الفيلم في بلدة كالانك دو ميجان (القريبة من مرسيليا، مسقط المخرج والحاضنة الجغرافية لكلّ أفلامه) المطلة على البحر، نوع من محمية طبيعية. سدّ منيع أمام أيّ تغيير، أو هذا ما كان يتراءى لسكّانه في أي حال. هذا المكان المعزول في فصل الشتاء، سيعكّر صفوه وصول بعض القوارب المحمّلة باللاجئين والذي بدوره سيستدرج العسكر.

الديكور يقتصر على المرفأ الصغير والمطعم - المقهى وشرفة الفيللا وبعض الغرف. الأشياء تتفاعل مع بعضها البعض بطريقة مقتصدة. أحياناً نظرة أو تلميحة تُغني عن فيض من الكلمات. هذا لا يعني أنّ الفيلم مقلّ كلاماً. بل أنّ الأحاديث الجانبية هي الطريقة التي يرسم بها كلّ شخص حيّزه الخاص. المكان هنا أكثر من ديكور، إنه شخصية في ذاته. لذلك التفاعل معه قوي. هذه الألفة مع الأشياء هي التي تمدّ الفيلم بطاقة عاطفية تتطوّر لتصبح كيمياء بين الشخصيات.

يعترف غيديغيان انه استلهم من "بستان الكرز" لتشيكوف، المؤلف المفضّل لديه والذي يعيد قراءته كلّ سنة. يتأتى هذا من رغبته في إتمام فيلم "يشترط على وحدة المكان، يحيط به البحر من ميل والتلة من ميل آخر".

الشعور بالزمن محسوس كثيراً في "الفيللا"، وهي فضيلته الأساسية. يكفي مثلاً لغيديغيان أن يستخدم لقطات قديمة من فيلمه "كي لو سا؟" الذي أنجزه قبل ٣٢ عاماً، حيث يظهر الممثلون (الأشقّاء) الثلاثة وهم في ربيع أعمارهم، كي نشعر بهذا السقوط البديع للحدّ العازل بين الممثل والشخصية ونلمس وطأة الزمن عليهم.

كالعادة في أفلام صاحب "ماريوس وجانيت"، تتساءل الشخصيات عن خياراتها، وإلى أيّ مدى ظلت ملتزمة بمبادئها. من المرجح أمام هذه الأسئلة نكء جراح الماضي. من خلال إدخال ثلاثة أطفال لاجئين في صلب عالم غيديغيان البروليتاري، ستتحرك المياه الراكدة وستخلّ الموازين. لن تعود الأشياء كما كانت سابقاً. وإذا رفضت شخصيات غيديغيان الذهاب في اتجاه العالم، فهذا لا يعني أنّ العالم لن يحلّ ضيفاً عليهم في أي لحظة! 

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard