خليفة العائد فنياً إلى مكان الطفولة والصبا: الموسيقى تمنحني قوة الصمود والأمل

25 آب 2017 | 00:00

مارسيل مغنياً للمرة الأولى في عمشيت منذ 40 سنة.

بدت عيناه الحالمتان، كأنهما تبحثان عن أشياء، لعلها أصوات من غادروا أو ضحكاتهم او ربما ذكريات تركها على هذا الشاطىء العمشيتي. عاد منتصرا على ذاته أولا ليغني الحب والحنين في مكان له رمزيته، حضن كل الطفولة والصبا. في حفلته في عمشيت لم يخف مارسيل خليفة اضطرابه لأنه عاد بعد غياب فني عمره ٤٠ عاما، ولا حماسته، خصوصا انه يعمل للمرة الاولى مع موسيقيين من جيل الشباب.   

لماذا يلحن ويغني، ولمن موسيقاه؟ قال مارسيل خليفة لـ"النهار"، "الموسيقى شريكة حياتي وهي الشيء الذي أعيشه وأنهك به كل لحظة. لقد عشت تجربة الحروب الصغيرة والمريرة وكانت الموسيقى هي التي تحميني وتمنحني قوة صمود الأمل. أريد ان اجعل هذا العالم جميلاً، لذلك ألجأ الى الموسيقى لأجعل العالم محتملاً وجديراً بالحياة، رغم هذه الوحشيّة في كل ارجاء المعمورة.

الإبداع الإنساني هو ما يصدر دائماً عن شهوة الأسئلة وليس مما يعلن قبول الاجوبة المستقرة المنجزة من جاهزية الماضي، فالحياة موقد البحث والتجريب. وأمام المخيلّة البشريّة ليس ثمّة مقدسات تضع الانسان في مستوى التابع، المبدع هو سيد القلق ومدير الحوار العميق بين الكائنات.

لا ينبغي للمبدع ان يتنازل عن حقّه في القلق والشك واليأس والنقد، هذا حق مشروع مثل حريّة الهواء في اروقة القلب.

أتشبث ببريق الأمل الباقي في الكتابة والموسيقى.

ليس لي سجن احمله في رأسي ولا اعترف بحدود، انا من أهل التيه، يحدث ان تعيش المنفى وانت في بلدك وبين قومك.

انني دائماً على سفر، أغادر مكاناً وأمضي لاكتشاف شيء في مكان آخر. لا أتوقف عن البحث، والذي يوقعني في عذاب دائم. لا ارضى عن نفسي في معظم ما افعل، ولذا انشغل بذوبان على لغة اجددّها. اكتب لاتصالح مع نفسي ومع الآخرين ومع عالم لا يُطاق يسحق المرء تحت جزمته بلا رحمة" .

وعن بلدته عمشيت والعودة اليها، قال: "لا ادري ما الذي يشدني الى هنا الى ضيعتي، اشرب البحر كلّه واشكره على ملوحته المفرطة.

عمشيت قرية الطفولة والصبا. البلدة التي غرست في نفسي الحس بالانتماء الى مكان والحاجة الى ذلك. عمشيت هي حُبّي الاول الرومنسي وقُماشتي الاولى.

لا اريد فهم العلاقة مع الحوادث في الوطن الاّ من خلال ما اعمل به، الموسيقى، القصيدة والاغنية لأن ما يجري يستعصي على الإدراك وكل المعادلات المنطقيّة. لعلني بالشعر والموسيقى أستطيع فهم وحدة الشعب وضآلة من يلعبون على جسده.

لست خبيراً في اي شيء، غير انني موسيقي منذ الطفولة وحاولت على مدى كل هذه السنوات ان انقل من خلال الاغنية والقصيدة والموسيقى بعضاً من طرق رؤيتي. لا أقول ان الحق معي في ما يتعلّق بآرائي، لا احد يقدر ان يكون مصيباً دون ان يكون مخطئاً.

أكتب اليوم اكثر واكثر لأنني مذعور من تلك الزبالة والوحشيّة التي تغطّي كامل ترابنا.

سأقف في عمشيت لكي ابدأ من جديد بالشروط إياها وبما لا يحصى من التنوّع بلا تغيير في شهوة الحريّة. فترة الهجرة القسرية كانت صعبة وعميقة في آن. لقد تألمت حياتي كلها، رحلت امي قبل الاغنية ولم تسمعها، مات أبي ولم استطع ان ارافقه الى تراب الورد. وبقيت حراً واكتشفت قيمة الحب رغم الوحشيّة. كبرت الطفولة وأصبحت في الستين من عمر سريع اغالب المرارة والهاجس هو الحب".

وعن مشاركته اوركسترا الشباب في المعهد الموسيقي الوطني وكورال معهد القديسة رفقا في خطوة اولى على مسرح بحر عمشيت للتأمل الحر في العزف والاداء بين عبثية الحلم وتحققه على خُطى النهاوند، قال: "اجترحوا بآلاتهم وأصواتهم إنجازاً غير مألوف في الحياة الموسيقيّة والغنائية ببلد "الإشعاع والنور". هل في وسع هؤلاء الشباب ان يحلموا اكثر؟ بالطبع نعم! وأرجو ان لا ينفصل السؤال عن بحّة ملح بحر عمشيت.

ونعتذر من هؤلاء الشباب بما تقترفه السياسة اللبنانية بحقهم، ونرفض ان نحوِّل الساحة الفنية الى شروط الحياة الاستهلاكية التي لن تكون صالحة لتأسيس وجود فني حرّ قابل للتطوّر، ولنحرّر الوعي الفني من الفارق الخادع بين صورة المهرجانات المتلفزة وبين مفهوم الفن الخالص البعيد من البهرجة الإعلامية.

لقد رأيت في هؤلاء الشباب من الالفة والحب والحماس ما لم أره في اي مكان آخر . لقد قفز قلبي من فرح تجلّى في عمل هذا الفريق كقفير النحل على ازهار السياج.

شكراً لمدير المعهد الموسيقي وليد مسلم، ولرئيس قسم الشرقي فيه أنطوان خليفة. شكراً لمديرة معهد القديسة رفقا الأخت مارانا سعد، ولكل القيمين على هذه المهرجانات.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard