سينما - "البندقية 70": في اليونان السرّ خلف الأبواب عند جوناتان غلايزر الأسلوب تحت الجلد

5 أيلول 2013 | 00:00

هناك فكرة سائدة تقول عن السينما الكبيرة إنها تضع شخصيات عميقة واستثنائية في ظروف عادية، خلافاً للسينما التجارية ذات الانتشار الواسع التي تولي الأهمية لشخصيات عادية في ظروف استثنائية. هذا هو الشعور الذي سيطر علينا، من خلال متابعتنا مجمل الأفلام المختارة في الدورة 70 لمهرجان البندقية الذي تواصلت عروضه بالسوداوية نفسها التي كان قد بدأ يشق طريقه بها.

لا حكايات كبيرة في هذه الدورة، لا قضايا نستقي منها الشعارات الرنانة. انه زمن المنمنمات. كأن المساحة متروكة لأفراد تتلون النصوص الفيلمية بفكرهم وسلوكهم وادارتهم للمأزق الذي وجدوا نفسهم فيه فجأة. المأزق هو ربما الكلمة الأنسب لوصف الحالة التي تتخبط فيها شخصيات هذه الأفلام التي أهملت السياسة طوعاً، للتركيز على الهنات السوسيولوجية التي تأكل الأخضر واليابس في المجتمع الغربي.
الى الآن، ليس ثمة فيلم فعل بالمشاهدين ما فعله بهم Miss Violence (مسابقة). لحظة عرض هذا الشريط الصادم الذي اخرجه اليوناني الكسندروس أفراناس كانت لحظة مؤلمة بالنسبة لحفنة المشاهدين الذين صبروا ساعة وثماني وثلاثين دقيقة للوصول الى خاتمة، اثلجت صدور الكثيرين، على الرغم من عنفها المدمر. حدّ انهم لم يقاوموا فكرة التصفيق من شدة الاحتقان الذي اصابهم. انها تجربة انسانية صعبة جداً، مقلقة، ومثيرة للغثيان عيّشنا اياها هذا السينمائي الذي يشي بموهبة فظيعة في التقاط خيط الحكاية من أوله الى آخره، من دون ان يفقده ولا لحظة. هذا كله يصب طبعاً في مصلحة السينما اليونانية التي انعشها أخيراً وصول مواهب فتية، من مثل يورغوس لانتيموس او اتينا راشيل تسانغاري، والآن، مع افراناس، قد تكتمل حلقة، تحب الصحافة تسميتها بـ"الموجة".
حكاية Miss violence تحمل قدراً هائلاً من العنف؛ العنف البارد الذي يتغلغل داخل الشرايين ويستقر فيها طويلاً. النموذج الأكثر شيوعاً لهذه السينما، أفلام النمسوي الكبير ميشاييل هانيكه، الذي يرتب آليته داخل المنظومة السردية بدقة الساعاتي، علماً ان شغل أفراناس مطعّم بمرجعيات أخرى أيضاً، ربما نكتشفها لاحقاً. الحكاية برمتها هي حكاية أب وعائلته. المشهد الأول: العائلة تحتفل بعيد ميلاد انغليكي، 11 عاماً. تمرّ دقائق قليلة قبل أن نراها ترمي نفسها من شبّاك المنزل، فتقع أرضاً وتتوقف حياتها هنا. اللقطة بديعة جمالياً: تسقط البنت خارج الكادر، لكن الكاميرا، بعد لحظة ثبات، تتحرك نحو الأسفل، لترينا البقعة التي هبطت فيها. كان هناك ابتسامة صغيرة على وجهها وهي تقفز قفزة الموت.
العائلة المفجوعة تتعامل بهدوء شديد مع الموت، بريبة تخفي شيئاً ما. هذا ما يوقظ شكوك المشاهد أولاً، ثم شكوك المحققين. الفيلم برمته هنا، في كفّ مخرج ذي قدرة عالية على اغوائنا، فهو لا يحتاج الى أكثر من دقائق لتركيب العملية الاسلوبية كلها على مرأى منا. المحققون يريدون ان يعرفوا ما الذي يمكن أن يؤدي الى موت بنت في مثل هذه السنّ. نحن المشاهدين، بالكاد نعلم أكثر منهم. لا بدّ ان يكون هناك سر، او اسرار، خلف الأبواب المغلقة للشقة التي يقحمنا فيها أفراناس. شقة مزعجة، كل شيء فيها يطبق على القلب، بدءاً باللون الباهت للجدران وصولاً الى الأبواب. فكرة أولية تتكون عند المشاهد، لكن لا يجرؤ على تصديقها واعتمادها. الأكيد ان هناك شيئا ما ليس على ما يرام في هذه العائلة التي يمارس عليها الأب البطريركي النزعة (الوجه المدهش تميس بانو) نوعاً غريباً من التسلط والتملك المرضي الوسواسي والطقوس التي تقتصر على العقاب والشذوذ الأخلاقي.
جغرافياً، يضعنا الفيلم في بيئة مقفلة ومقهورة. كل شيء يساهم في صناعة الاحتقان. كل لقطة لها سبب وجودها ومبررها، ويزيدها غموضاً وصول اللقطة التالية. يشيّد افراناس فيلمه كمهندس يضع خرائط كاتدرائية او متاهة او قطعة بازل. لن يعطينا المفاتيح الا تدريجاً، وعلى حساب الكثير من القهر والانتظار. وسط هذا كله، يتيه المشاهد، يعتقد مراراً انه فهم صلة القرابة التي تربط هذا الفرد بذاك داخل العائلة، لكن الخبطة المسرحية أقوى من كل التكهنات. تكشف المستور وتسقط الجدران. طبعاً، عندما تسقط جدران الشقة، تسقط على قاطنيها ايضاً، وعلى مَن كان هناك في تلك اللحظة. اذا كان كل مهرجان في العالم يحتاج، ولو لمرة في كل دورة، أن يصفع جمهوره ويصدمه، لجعله يستفيق ويرى الحقيقة المرة، فإن Miss violence صفعة الدورة 70. يعرّي أفراناس عائلة يونانية هي فوق كل الشكوك (والشقوق؟). بمنهجيته السينمائية غير الارثوذكسية، يوحي بالأشياء أكثر مما يظهرها (إلا عندما يقترب الفيلم الى نهايته). فهو يعرف ان الخيال وقعه أكبر علينا من كل شيء آخر.
* * *
علاقة المهيمِن بالمهيمَن عليه هي ايضاً ما يطرحه "طوم في المزرعة" (مسابقة) للمخرج الكندي كزافييه دولان الذي يأتينا هنا برابع فيلم له، اخراجاً. هذا الذي لم يكمل بعد الرابعة والعشرين من العمر، يفاجئنا بعمل متكامل العناصر، يصل فيه الى مرتبة عالية من النضج الفكري والاسلوبي، في اقتباسه مسرحية ميشال مارك بوشار. ينتقل طوم (دولان) الى احد الأرياف للمشاركة في دفن صديقه. لكن، يبدو ان لا أحد هناك يعلم من هو. لا شقيق الراحل ولا أمه يعرفان عنه شيئاً، على رغم العلاقة القوية التي ربطته به. السياق الذي يضع فيه فيلمه غاية في الأهمية. انه الريف بكل ما يمثله من خشونة ووحشة وحياة قروية. الفيلم لا يتطرق الى مثلية طوم وصديقه المقتول في حادث سير الا بشكل غير مباشر. هناك قصة حبّ سنكتشف بعض تفاصيلها قليلاً قليلاً. دولان ليس من النوع الذي يكشف أوراقه دفعة واحدة. يكشف واحدة تلو اخرى. الأجواء مضطربة، يسودها القلق والريبة. الشخصيات يملأها الخوف وتمر بطبقات عدة من الأحاسيس. تعبر الفيلم لحظات موسيقية للبناني غبريال يارد، من شأنها التذكير دائماً بأننا في طريقنا الى وضع متأزم. عندما نكتشف أننا في تمرين تشويقي على خطى هيتشكوك (مشهد حقول القمح)، يكون الفيلم دخل في منعطفه النهائي. في البداية، يواجه دولان بعض الصعوبة في وضع نصه على السكة، لكن الأمور تصبح أكثر سلاسة بدءاً من المنتصف، حينما يدخل الى الأحداث طرف رابع، "عشيقة" الراحل. يقول دولان، الذي سبق أن انجز ثلاثية عن الحبّ المستحيل، ان "المثليين يتعلمون أن يكذبوا قبل أن يتعلموا ان يحبوا".
* * *
ضمن مناخات تعبيرية ومعتمة ايضاً تتبلور حكاية فيلم "تحت الجلد" (مسابقة) لجوناتان غلايزر، المخرج الذي قدم قبل نحو 9 سنوات "ولادة" مع نيكول كيدمان. هذه المرة يختار نجمة أخرى هي سكارليت يوهانسون ليلوّنها بفانتاسماته ويزيل عنها كل ما فعلته بها هوليوود. كان الفيلم بمثابة جسم غريب يحطّ في الـ"موسترا" فجأة، ويحدث شرخاً كبيراً بينه وبين الأفلام الأخرى التي تتسابق على "الأسد الذهب"، التي ستُمنح بعد غد.
نحن أمام شيء بصري بين ديفيد لينتش ونيكولاس روغ. الحكاية تُختصر ببضع كلمات. أمراة (يوهانسون) كل شيء فيها يوحي بأنها جاءت من الفضاء الخارجي. لا تعرف المشاعر ولا الحبّ. تعبر الليل الاسكوتلاندي بسيارتها وتصطاد رجالاً يمنة يسرة، لتأخذهم، في مشهد يفيض بالجمال والسحر، الى حوض مظلم يغرقون فيه شيئاً فشيئاً وهم ينزلون الى قعره، فتغمر المياه رؤوسهم، في حين، بطلتنا، سارقة الجلد البشري، تنزع ملابسها أمامهم، قطعة بعد قطعة. السيناريو نفسه يتكرر مع أكثر من ضحية، الى أن تكتشف يوهانسون ذاتها ويبلغ الفيلم الخاتمة التي سندعكم تكتشفونها، لعدم افساد المفاجأة. نحن امام سيرة مختلفة للسينما، تنطوي على اجتهاد بصري. الشريط مهتاج جنسياً، ومتمرد في استخدامه موارد الاثارة، يحملنا الى عوالم سينمائية خاصة جداً. حقيقة طاحنة على شكل استعارة أم هلوسة مراهق؟ مع فنّ بهذين الطعم والحجم، تصبح معرفة الجواب ثانوية جداً.

hauvick.habechian@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard