اللحية لازمت آلهة... وحلاقتها محظورة في ديانات لها قوة خاصة لدى بعضهم... وللشماتة: جبان حلقها وهرب!

4 أيلول 2013 | 00:00

انها شماتة اللحى. "جبان، حلق لحيته وهرب"، كُتِبَ بالفعل ضد احد المشايخ "الهاربين". الطعن بشرف اللحية له ثقله الديني. في الرمزية، اللحية تعني الرجولة، الفحولة، الفخر، الحرية، السلطة، القوة، الحكمة... وحتى لها قوى خاصة لدى بعضهم، الى درجة الامتناع عن لمسها كي لا تسقط منها شعرة واحدة. واذا اريد معاقبة احدهم او اهانته، فيكفي حلق لحيته او شدّها او نتفها. كان ذلك من زمان بعيد... ولا يزال. وفي تقاليدنا اللبنانية القديمة كانت الشعرة من شارب الرجل تغني عن سند وتعهّد بسداد الدين.

مسلم ملتح؟ انه نذير تطرف، ارهاب، في نظر كثيرين، لاسيما منذ حوادث 11 ايلول 2001. غير ان اللحية في الاسلام "لا علاقة لها بالتطرف او الارهاب، ومن السخافة ربطها بهما او الصاق صورة سيئة بمطلقيها المسلمين. فهي موجودة من 1400 عام، وستبقى"، يقول عضو المجلس الشرعي الاسلامي الاعلى الشيخ الدكتور محمد انيس الاروادي. في حديث نبوي، يقول النبي محمد: "وفِّروا اللِّحَى، وأَحْفُوا الشَّوارب". و"وفِّروا" من التوفير، وهو الإبقاء، أي "اتركوها وافرة". واقتداء بالنبي، "يوفر" المسلمون لحاهم.
يحدد "القاموس المحيط" اللحية بانها "شعر الخدين والذَّقن". وفي شرح علماء، "كل شعر الوجه، مما ينبت على الذقن وتحت اللحيين وما على الخدين والعارضين، يقال له لحية، ما عدا الشارب". وما تقوله "سنة النبي" في شأنها، ان طولها عادة هو "قبضة يد من تحت الذقن"، يشرح الاروادي. واذا تجاوز القبضة، فذلك "ليس محرّماً او حراماً، انما هناك جماعات سلفية تحب اطالة اللحى، لاعتقادها ان تلك هي السنة الاصلية. غير ان هذا الاعتقاد خاطىء".
وحتى لو كانت "اللحية سنّة والنبي قال بها"، وحتى لو حرّم شيوخ وعلماء من بعده حلقها او نتفها او قصّها، فانها ليست واجبة لغير الملتزمين من المسلمين. ووفقا للاروادي، "لم يثبت في الاسلام ان عدم اطلاقها يوجب جهنم. لا حساب على ذلك. ولا حديث او آية تقول بان من يحلق لحيته يكون ملعونا، او مصيره جهنم".
في المقلب الشيعي، يُستدلُّ فقهيا ان "لا نص حاسما وصريحا بانه يجب اطلاق اللحية. لكن النصوص تحضّ وتشجع على اطلاقها باعتدال، وبما يتناسب مع الزمان، لجهة كونها مظهر جمال للرجل، وليس لان فيها خصوصية عبادية"، يقول عضو المكتب الشرعي في "مؤسسة العلامة السيد محمد حسين فضل الله" عضو "تجمع العلماء المسلمين" الشيخ محسن عطوي.
لفقهاء، لا ادلة في النصوص الشرعية للحكم بوجوب اللحية، "بما يجعلها على نحو الاستحباب". وبين هؤلاء، العلامة الراحل السيد محمد حسين فضل الله الذي كان يرى "جواز حلقها، وجواز اطلاقها. وكان يحضّ المؤمنين على اطلاقها، لانها صارت عرفا بينهم"، يفيد عطوي. غير ان الافراط في الطول "ليس محموداً، بمعنى ان الاسلام اعتبر اللحية من الهندام، والمفروض ان يأخذ كل اهل زمان بما هو متعارف به في زمانهم. لذلك كثر من المؤمنين لا يطلقونها كثيرا، وفي الوقت عينه لا يحلقونها نهائيا. وهذا هو الاساس".
قبل الاسلام بكثير، كانت اللحية علامة رجولة وفحولة في العصور القديمة، وايضا مظهر سلطة، وغالبا ما لازمت الآلهة والابطال. الملك سنحريب الأشوري صوِّر بلحية منسقة، كذلك ملكة مصر هتشبسوت لاظهار قوتها وسلطتها. اليونان القدماء ربوا لحاهم، ووصف هوميروس أبطاله بأنهم كانوا ملتحين. حتى الفلاسفة اليونان القدماء تميزوا بلحاهم الطويلة، علامة حكمة.
في الصين القديمة، اللحية الحمراء تعني الشجاعة والقوة. وفي حضارات الانديز، جعلت لتماثيل الآلهة لحى طويلة. كذلك ربى الرومان لحاهم حتى 454 ق.م، يوم جاء تيسينيوس بالحلاقين من سيسيليا. ووفقا لبلينيوس، لم يكن مسموحا لرجل تجاوز الـ49 عاما الا يكون ملتحيا. اللحى الاولى المحلوقة كانت تحفظ وتكرس لآلهة. وفي بلاد فارس، كانت رمزا للقوة والحرية، ومنعت على العبيد.
عند الدروز، تسمى "الكريمة"، وترمز الى الوقار والتدين، ويطلقها العقال والمشايخ. وفي اليهودية، يشدد التقليد التلمودي على اطلاقها، وتهذيبها له شروط. اما في الكابالا، فتُنسَب لها قوى صوفية. وعند السيخ، لا تحلق ولا تشجب اطلاقا، لكون الشعر مقدسا، وتبقى ملفوفة. وفي الهندوسية، يبقيها كهنة كثيرون، باعتبارها علامة نقاء.
في الكنائس الارثوذكسية والارثوذكسية الشرقية، يلتزم الكهنة والرهبان لحى طويلة، علامة تكرس لله، دليلاً الى "التقشف والتكفير عن الذنوب". وفي وقت لم تحد تلك الكنائس عن هذا التقليد، شهد تاريخ الكنيسة الكاثوليكية تارة سماحا باللحية، وطورا حظرا لها او السماح بها باعتدال وبطول مناسب، وذلك باختلاف الظروف وتطور التشريعات في شأنها، مع ميل حالياً الى التخلي عنها، مع استثناءات...
اللحية الطويلة للكاهن قد "تبعد عنه الآخرين، خصوصاً الشباب"، على ما يخشى استاذ مادة الكتاب المقدس في كليات اللاهوت الكاثوليكية الاب انطوان عوكر الانطوني. غير ملتح هو، ويعتمد في شكله الخارجي "ما أجده مناسباً اكثر للجماعة". المغالاة في الشيء تستدعي التنبه، وخصوصا اذا كانت سببا لتشكيك الآخرين او ابعادهم.
في رأيه، "الاعتدال جيد، خصوصا في الشكل"، يقول، مع تشديده على التمييز في خصوصية الاطار الذي يعيش فيه الكاهن، بما يعني ان لكل مكان موجباته واحكامه. "على الكاهن التكيف مع السياق الاجتماعي الذي يعيش فيه، من دون ان يسمح للعالم بان يجرفه. فيبقي علامة بسيطة لتكرسه، شرط الا تنفر الآخرين او تستفزهم".

hala.homsi@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard