سينما - مهرجان البندقية غداة افتتاحه: ماذا تحت "الأمل المفقود" للدورة 70؟

29 آب 2013 | 22:11

"السينمائيون لم يتركوا هامشاً للأمل. الأمل مفقود". هذا ما اعلنه مدير "موسترا" البندقية، الناقد ألبرتو باربيرا، بهدف طمأنتنا الى ما يحمله الينا هذه السنة المهرجان الايطالي الذي يحتفي بدورته السبعين (28 آب ــ 7 أيلول)، وهو اولى التظاهرات السينمائية في العالم وابعدها زمنياً. 54 فيلماً تشارك في التشكيلة الرسمية، في اقسام مختلفة، من بينها 20 تتسابق على "الأسد الذهب"، الجائزة المرموقة التي ستمنحها بعد عشرة أيام من المشاهدة النهمة، لجنة تحكيم يترأسها الايطالي برناردو برتوللوتشي للمرة الثانية في حياته.

الرقم 70 لن يكون رقماً عادياً في تاريخ الـ"موسترا". فستشهد جزيرة الليدو وصول 70 مخرجاً من انحاء الكرة الأرضية، ليقدم كلٌّ منهم فيلماً قصيراً صوّره انطلاقاً من فكرة خاصة به. فيلم لا يتعدى طوله الدقيقة ونصف الدقيقة على أن تشمل المعالجة رؤية معينة لمستقبل الفنّ السابع. سينمائيون كبار لبّوا الطلب. ترى ما الذي يجمعهم؟ مشاركتهم في الـ"موسترا" على الأقل مرة واحدة في السنوات العشرين الماضية. هناك بول شرايدر، عباس كيارستمي، والتر ساليس، ابيشاتبونغ فيراسيتاخول، شيخار كابور، والقائمة طويلة. حتى برتوللوتشي، السينمائي المصاب بالشلل، الذي كرّمه مهرجان كانّ عام 2011 بـ"سعفة فخرية" (عاد الى السينما السنة الماضية بفيلم "أنا وانت" بعد انقطاع عشر سنين) له فيلم في هذه المجموعة. الجزائري طارق طقية سيكون من المشاركين ايضاً. هو مخرج المساحات الجزائرية الشاسعة الذي يعمل حالياً على فيلم منتظر سمّاه "ابن بطوطة"، والذي ساندته هذه الصفحة مراراً منذ بداياته المتألقة.
ثانية الأفكار المثيرة للحماسة تتجسد في صالة "وب". فكرة اعتزمت ادارة المهرجان تطويرها في هذه الدورة، بعد النجاح الذي كان من نصيبها في الدورة الماضية: يحقّ لأي كان في العالم ان يشتري بطاقة رقمية تخوله مشاهدة واحد من افلام قسم "أوريزونتي"، بالتزامن مع عرضه على جمهور المهرجان. هذه الصالة الافتراضية تتكون حصرياً من 500 مقعد افتراضي، وتجسد ذروة التقليعات التقنية التي يحتاج اليها مهرجان مثل "البندقية"، وخصوصاً أن ارتياده غير متاح للشباب الطامح الى اكتشاف الاتجاهات الجديدة في السينما الكونية. التواصل عبر الشبكة العنكبوتية مع الجمهور هو الشيء الذي لجأ اليه ايضاً عدد من السينمائيين. كان جان لوك غودار طليعياً في هذا المجال، عندما اقترح تحميل فيلمه "الاشتراكية فيلم" على الانترنت، وعلى خطاه نفسها مشى لاري كلارك، عندما جعل فيلمه "فتاة مدينة المارفا"، يتوافر على الشبكة مقابل ستة دولارات. المخرج الأميركي القدير سبق أن عانى من سوء توزيع افلامه في الصالات بسبب الرقابة الاخلاقية، فقرر الذهاب الى الجمهور مباشرة.
اذاً، بعد 81 سنة على تأسيسها، بدأت الـ"موسترا" تستجيب لضرورات العصر. هذا، على الرغم من كل الكيان الداخلي المترهل الذي تعاني منه منذ زمن بعيد. في الدورة الثانية التي يديرها باربيرا بعد رحيل ماركو موللر مختتماً تجربة امتدت لأعوام ثمانية، لا يزال الخط التحريري الذي يمشي وفقه هذا المدير السابق للمتحف الوطني للسينما غير واضح: هناك، في اللائحة المكونة من 54 فيلماً، مواهب فتية مدعومة تظللها الأسماء الكبيرة التي تلهث خلفها الجميع. السنة الماضية، كانت ملحوظة الاختيارات المائلة الى البنية السردية على حساب التجريب السينمائي والاسلوب المتفلت من كل قاعدة. هذه السنة، كل شيء مبهم، ولا يسعنا الا انتظار الأيام القليلة التي تفصلنا عن الاكتشافات.
في المسابقة، 20 فيلماً اختارها المهرجان من اصل 1534 ارسلت اليه منذ انتهاء الطبعة الأخيرة التي نال فيها كيم كي دوك "الأسد". جميع أفلام المسابقة عروض عالمية أولى، باستثناء فيلم واحد هو من ضمن العروض الدولية الاولى، ايّ انه لم يُعرض الا في البلد الذي يحمل جنسيته. جغرافياً ومناطقياً، نستطيع القول ان القارات ممثلة، بين المسابقة وخارجها. في المسابقة، ثمانية افلام فقط يعود صنعها الى الأوروبيين، من دون احتساب الأفلام الممولة جزئياً مع دول أوروبية. القارة الأكثر حضوراً بعد أوروبا هي اميركا (الشمالية منها): 7 عدد الأفلام الأميركية. تبقى خمسة أفلام من خارج اوروبا واميركا: الجزائري، الاسرائيلي، الاوسترالي، الصيني، الياباني. من كل الأفلام التي وصلت الى الادارة، لم ينوجد في نظر لجنة الاختيار فيلم واحد من جنوب أميركا يرقى لمستوى المسابقة. الشيء نفسه يقال عن سينما أوروبا الشرقية التي أقصيت الى أبعد حدّ. بالاضافة الى الشرق الاقصى الذي يتراجع حضوره في الدورة الحالية.
لنبدأ بالمكرّسين: هناك أولاً، فيليب غاريل. المخرج الفرنسي الكبير يعود بـ"الغيرة"، شريط من انتاج سعيد بن سعيد وبطولة ابنه لوي وآنا موغلاليس. فكيف يستقبل جمهور الـ"موسترا" وصحافيوها فيلم وارث "الموجة الجديدة"، وخصوصاَ ان السخط الذي اثاره فيلمه الأخير "صيفٌ حارق"، لا تزال اصداؤه تتردد في ارجاء الليدو. مرة اخرى يأتينا غاريل بقصة حبّ، كل ما نعرف عنها الى الآن ان لوي يضطلع بدور والد فيليب، عندما كان في الثلاثين من عمره، وهذا عمر لوي الآن. الايطالي القدير جياني اميليو هو الآخر عائد الى البندقية مع "المقدام". يقول اميليو عن الفيلم إنه كالغيمة يتغيّر شكلها من دقيقة الى اخرى. يلتحق بهذين المخضرمين، ومن الجانب الآخر للكرة الأرضية، المعلّم الياباني هاياو ميازاكي الذي سبق ان ادهشنا بأفلام التحريك التي قدّمها. "الرياح تهب"، حكاية مصمم طائرات يعاصر المراحل التاريخية في اليابان، بدءاً من الهزة الأرضية الى الأزمة الاقتصادية.
سينمائي آخر، ترك بصمة كبيرة في سينما بلاده، يأتينا من بريطانيا: ستيفن فريرز. مخرج "الملكة" الذي لا يتوقف عن العمل، يطرح "فيلومينا"، بعدما انجز ثلاثة أفلام منذ مطلع هذا العقد. ولد المشروع من رغبة فريرز في العمل مجدداً مع جودي دانتش، التي مثّلت في فيلمه "السيدة هاندرسون تقدم"، وكم كان اداؤها راقيا في هذه الكوميديا اللافتة. "فيلومينا" يحكي عن فتاة حملت عندما كانت في الخامسة عشرة فانتزع منها مولودها، وبعد مرور نصف قرن راحت تبحث عن هذا الابن الغائب الذي رُحّل الى أميركا. هذه هي الرحلة التي يرويها فريرز في جديده. دائماً من بريطانيا هناك فيلم جوناتان غلايزر، "تحت الجلد"، عن كائن فضائي في شكل بني آدم يقوم بجولة حول اسكتلندا. هناك القليل من الـ"رود موفي" والقليل من علم الخيال والقليل من الواقعية في هذا الشريط الذي يطرح الحوادث من وجهة نظر الكائن الفضائي. تُغلق الدائرة البريطانية (ولو بفيلم أميركي) مع المخرج تيري غيليام الذي عوّدنا على أفلام تخرج عن السائد، وهو يرينا هذه المرة "نظرية الصفر" عن رجل يقوم بتجارب عبر الكومبيوتر كي يلتقط معنى الحياة، لكنه لن يكتشف ماذا تعني الحياة الا عندما يغمر الحبّ قلبه.
بعدما صوّر حكايات غريبة ومتداخلة وصاخبة في تايوان الملونة والقاتمة، يأتينا المخرج المثير للجدال تساي مينغ ليانغ بفيلم "كلاب ضالة"، عن أب لولدين ليس لديه سوى التسكع في أزقة تاباي الحديثة؛ المدينة التي ابتلعت أحلامه ورمته على الهامش. أميركياً، يقدم جيمس فرنكو فيلماً عنوانه "طفل الله"، مقتبس من رواية لكورماك ماكارثي، الأديب الكبير الذي سبق ان كان الأصل الروائي لفيلم الأخوين كووين، "لا بلاد للعجائز". النصّ هنا عن رجل يعاني اضطرابات نفسية مما يحول دون انصهاره في المجتمع. اما زميله ديفيد غوردن غرين (38 عاما)، فيبدو انه لم يكتفِ بالازعاج الذي تسبب به في دورة برلين الماضية مع فيلمه الرديء "الأمير أفالانش"، فطاردنا الى البندقية بعمل ثانٍ في أقل من سنة سمّاه "جو"، هو أفلمة لرواية لاري براون، بطولة نيكولاس كايج، الذي يضطلع بدور كاوبوي يتغير العالم من حوله، لكنه يظل متمسكاً بمبادئه القديمة.
لا يغيب الوثائقي عن مسابقة "البندقية". هناك فيلمان تسجيليان، اولهما "المجهول المعروف" لارول موريس، صاحب "ضباب الحرب"، الذي ينكبّ هذه المرة، بالحرفية التي عوّدنا عليها، على دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع والمستشار لأربعة رؤساء، راسماً له بورتريهاً "مختلفاً". من المرجح ان يكون هذا الفيلم من اللحظات القوية في المهرجان. اما ثاني الأفلام الوثائقية، فإيطالي الصنع لصاحبه جيانفرانكو روزي. "سان غرا" مسوّدة سينمائية لمخرج انتقل في سيارته الصغيرة حاملاً كاميراه الرقمية الصغيرة ليصوّر احياء معينة من روما.
يبقى الفيلمان اللذان سيشكلان مادة دسمة للنقد والصحافة في الأيام المقبلة: "السطوح" للجزائري مرزاق علواش (مراجعة صفحة الخميس الماضي) و"أنا عربية" للاسرائيلي عموس غيتاي. علواش صوّر خمس شخصيات في حيّ باب الواد الشعبي، من دون ان يكون بينها رابط معين وعلى مدار يوم واحد. أما غيتاي، فوضع كاميراه هذه المرة في حيز جغرافي منسي حيث يعيش عرب واسرائيليون، متخطياً الكليشيهات التي تسود الصورة المنقولة عن المنطقة.

hauvick.habechian@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard