"فايسبوك"... "تويتر"... "يوتيوب" لم تتوافر خلال الحرب اللبنانية... فغاب الكثير

29 آب 2013 | 00:00

رائحة الموت منتشرة في الشوارع، أصوات الرصاص ودوي القذائف... صراخ الأولاد والنساء يلامس حد الهلاك. هذه هي الحرب: موت، دمار، جرحى، قتلى، عذاب، وجع؛... حرب تقتل لينتصر فلان أو آخر!... ويسقط الوطن. خسر اللبنانيون وطناً بعدما تقاتلوا 30 سنة، واليوم السوريون في الفخ عينه. أكثر من مئة ألف قتيل في أقل من ثلاث سنوات، جرحى، معتقلون، مفقودون... والمجازر الدموية تستمر في معظم المناطق السورية، ويظهر ذلك من خلال الفيديوات والصور والأخبار عبر مواقع التواصل الاجتماعي "فايسبوك"، "تويتر"، "يوتيوب"...

مجازر بشعة انتشرت في العالم الافتراضي، من "أبو صقار" آكل القلوب، الى المجازر اليومية التي ينشر المرصد السوري لحقوق الانسان والناشطون السوريون أخبارها وصورها، والفيديوات المصورة من موقع الحدث.
"أبو صقار" الذي ظهر في شريط فيديو وهو يهم بأكل قلب جندي سوري، "انتقاماً للجميع من الرئيس السوري بشار الأسد"، هو عينة من الاجرام الذي انتشر في سوريا في الأعوام الثلاثة الأخيرة كما انتشر في 30 سنة حرباً في لبنان.
المجازر عينها، اختلفت الأساليب والبنادق، والصواريخ، والجهات المتقاتلة... الا ان الاجرام والموت والألم والوجع ما زالت اياها. في سوريا، مجازر الحرب تؤرخ عبر مواقع التواصل الاجتماعي وفي وسائل الاعلام التقليدية، أما في لبنان فلم تحفر الا في ذاكرة اللبنانيين مدنيين أو مقاتلين، وفي ارشيف الصحف والمجلات والاذاعات والتلفزيونات.
جيل اليوم، الذي يقضي ساعات طويلة أمام شاشات الكومبيوتر أو اللوحات الالكترونية أو الهواتف الذكية، يتابع الحرب السورية عبر مواقع التواصل الاجتماعي. حربان في حقبات زمنية مختلفة، فماذا يقول الجيل الذي لم يواكب الحرب اللبنانية ويشاهد "المجازر" السورية عبر "تويتر"، "فايسبوك"، "يوتيوب"؟
يعتبر منير ( 25 سنة - لم يعش الحرب اللبنانية) ان "الحرب السورية أقوى ان من خلال الأسلحة المستخدمة أو الأساليب والسياسات المعتمدة"، ويستدرك قائلاً: "أقول ذلك لأننا نرى دمار الحرب السورية ان من خلال الصور أو الفيديوات التي تنشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي. لا أعرف". أما منال (28 سنة) فتشير الى أنها لم تعايشها، ولكنها تعتقد أن الحرب السورية أقسى "أخبرني أهلي أن اللبنانيين لم يشهدوا العنف الذي نراه في سوريا .. فهناك مدنيون يموتون من الجوع، أما في لبنان فكان الوضع أفضل على ما أظن، فيمكن صار في كتير مجازر ما حدا بيعرف عنها".
محمد (26 سنة) يشدد على أنه لا مجال للمقارنة بين الحربين، فالزمن اختلف والأساليب اختلفت، لكنه لا يخفي أن الحرب السورية "دموية أكثر من الحرب اللبنانية". من جهته، يرى ايلي (24 سنة) ان مواقع التواصل الاجتماعي لو كانت موجودة في فترة الحرب اللبنانية "لما كنا سنرى المشاهد عينها ... فالحرب السورية أقوى بكثير ولا مجال للمقارنة، لكننا كنا سنرى ايضاً الكثير مما لم نشاهده وطمس مع الايام".
الجيل "الافتراضي" اجمع على ان الحرب السورية اقوى واقسى مما حصل في لبنان، والمشاهد المنقولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي لا تقارن مع المجازر التي عاشها اللبنانيون خلال الحرب.
سامي (اسم مستعار) واكب الحرب اللبنانية وقاتل، يقول ان الحربين اللبنانية والسورية لا تختلفان، فالمجازر و"الابداع الاجرامي" عينه. ويضيف "لو كان معي كاميرا فيديو او تلفون، لكنت صورت مئات المجازر والجرائم التي رأيتها وواكبتها خلال الحرب اللبنانية". يروي ذلك الخمسيني مجازر شاهدها أو أخبروه عنها:
"في بداية الأحداث عام 1975 اجتاحت لبنان أعمال عنف كثيفة، وانشطرت العاصمة بيروت ما بين شرقية وغربية، وتكاثرت أعمال الخطف على الهوية، كان الخاطفون يعملون على "تصفية" المخطوفين على الفور او تعذيبهم بطريقة وحشية حيث يقضون من شدة الألم". ويشير الى ان تلك الأعمال الفظيعة لم تكن الا "عينة صغيرة مما كان يجري من العنف، ففي احدى المناطق تم القاء القبض على شخص كان يشارك في القتال، فأتوا به وهم ينهالون عليه بالضرب بأعقاب البنادق، فوقع ارضاً يصرخ من الألم. اقترب منه أحد المخطوفين الذي قبض عليه في اليوم نفسه، وكان القاتل يصوب عليه البندقية من الخلف طالباً منه تعذيب الأول، فما كان من الثاني الا ان ادخل اظافره في عيني الرجل ثم قطع له أذنيه وكان الصراخ ممزوجاً بالدم. وبعد سلسلة من التعذيب أطلق المسلحون النار على الاثنين فأردوهما معاً".
قصص ومجازر يخبرها سامي متذكراً تفاصيل الحرب البشعة المليئة بالدماء والموت والتعذيب والاغتصاب، وتابع رواياته عن الحرب "في احدى المناطق، تم ربط رجل على قيد الحياة من رجليه بين سيارتين وأقلعتا فانشطر الى نصفين... ورجل آخر تم بتر أصابع رجليه ويديه بواسطة فأس ثم أطلقوا عليه النار فأردوه. وآخر مرروه على "الرابوخ" (آلة لنشر الخشب)، فكان صراخه يملأ المنشرة كما دماؤه، ثم أحضروا الأخشاب ووضعوها فوقه ثم أحرقوه". مجازر الحرب اللبنانية كثيرة، يقول سامي "شو بدي خبر لخبر صارت قصص ولا أبشع".
من جهتها، تقول مديرة "إعلام بلا حدود" الصحافية والمدونة ماجدة أبو فاضل انه "لا يمكن المقارنة بين الحربين لأنهما حصلتا في حقبتين مختلفتين... فلكل زمن وسائل اعلامه". وتشير الى أنه من الممكن أن نرى تغطية شبه محترفة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ولكنها تلفت الى أن الناشطين يريدون أن يعكسوا وجهة نظرهم كما لديهم أهداف من خلال تلك الفيديوات او الصور التي ينشرونها، وتسأل "كيف نتأكد من صدقية هذه الأخبار والفيديوات؟". وتعتبر أنه خلال الحرب الاهلية اللبنانية الاعلام التقليدي كان موجوداً، وتستدرك لتقول " الا ما يصير في نوع من انحياز الى فريق أو آخر، هذا الشيء طبيعي في النزاعات... أتذكر في الحرب اللبنانية كان هناك تضليل في الاعلام التقليدي عن مسار بعض المعارك وعن اتجاهات بعض الناس جراء هذه النوعية من التغطية".
وتقول: "اجمالاً لا يمكن التعميم ولكن لا ضوابط اخلاقية في طريقة استعمال مواقع التواصل الاجتماعي، أما في الاعلام التقليدي، فمواثيق الشرف والاخلاقيات الاعلامية موجودة، ولكن التزامها موضوع آخر".
وتشير الى أن "مواقع التواصل الاجتماعي تأخذ مكان الاعلام التقليدي، خصوصا ان عدداً كبيراً من الصحافيين والمراسلين لم يستطيعوا ان يصلوا الى ساحة الحرب للتغطية ". وترى أن "مواقع التواصل الاجتماعي سرّعت عملية تناقل الأخبار. فالكثيرمن الأخبار نتلقاها عبر تلك المواقع، تويتر او فايسبوك". وتختم قائلة "الوسائل تغيّرت ولكن النتيجة واحدة شو الأجندة؟ شو الهدف؟ لوين واصلين؟".
وسائل الاعلام تطوّرت مع الزمن، المكان يختلف، الأساليب والسياسات كلها تغيرت، الا أن الحرب هي الحرب اياها. بعض وسائل الاعلام خلال الحرب اللبنانية كان منحازاً لطرف ضد آخر، حتى مواقع التواصل الاجتماعي منحازة للطرف السياسي الذي ينتمي اليه المستخدم... فما هي الأخبار والفيديوات التي يجب ان نصدقها وما هي المصادر "الافتراضية" التي تجب متابعتها؟

reine.boumoussa@annahar.com.lb
Twitter: ReineBMoussa

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard