تحت الضوء - بماذا يفيد أن نقرأ في 2013 رسالةً بعث بها كامو الى "سارتر العزيز"؟

27 آب 2013 | 00:00

ماذا يعني أن يسقط قليل من المياه في كأس مرّة من الخلّ مثّلتها علاقة كاتب العبث الجميل ألبر كامو بـ"الفيلسوف الأخير" جان بول سارتر؟ ماذا يعني أن ندرك ان مرحلة ودّ واعتراف، اجتازت تلك الصلة المتوترة التي ذاع صيتها؟ بماذا يفيد أن نقرأ في 2013 رسالة موجزة بعث بها كامو الى سارتر، بعدما جرى تلف جميع الرسائل المتبادلة؟ ها هنا نص مقتضب يذرف عاطفة، في حين وصلنا فيض من الكلام عن منافسة بلا سقف. رسالة تحلّ في الأركيولوجيا الثقافية كبرهان، تذكّرنا بكون المؤلِّفين على صورة الناس، ضحايا الأهواء البشرية البدائية، يخاوون سقطات العمر ككلٍّ منا.

"عزيزي سارتر. أتمنى أن يتسنّى لك العمل بجدّ أنتَ وكاستور (لقب سيمون دو بوفوار). أعلماني بعودتكما، سنمضي سهرة ممتعة"، هذا ما نقرأه في رسالة غير مسهبة بخط يد كامو، اكتشفت حديثا في اورليان، في فرنسا. وجِد النص الوجيز وسط صفحات من طبعة أصلية لأحد عناوين سارتر، صدر في أعقاب وفاة كامو. ظل الكِتاب ورسالته في حوزة أحد أصحاب المجموعات وفق ما كشفت "وكالة فرانس برس" التي نقلت الخبر، الى حين وضع ايرفي وايفا فالانتان عليهما اليد. في خضم التحضير لتنظيم معرض محوره كامو في أيلول، في لورماران في إقليم فوكلوز الفرنسي حيث يرقد الكاتب، وجد فالانتان كلاما نادرا موجّها الى سارتر، وعلى قدر رفيع من الودّ. في موازاة الإحتفال بمرور مئة عام على ولادة صاحب "الغريب"، يأتي النص كأنه تعقيب على حكاية صداقة - خصومة أريق حبر كثير في شأنها. لا تحمل الرسالة تاريخاً، ويمكن تاليا أن تعود الى عام لقائهما في 1943، أو الى كل عام لاحق وصولا الى 1943، عندما تكسّرت الصلة الثنائية على صخرة الإختلاف في الرؤى.
ربما يكون كامو قصد سارتر حين ذكر في بحثه "الرجل المتمرد" ان في قدرة الفلسفة أن تستخدم لأي شيء وان تحوّل القاتلين الى قضاة حتى. لا يحيل القتل ها هنا على أخذ الحياة فحسب، بل في وسعنا أن نمطّ المعنى لكي يصير مجازا ويشير الى المبادئ والصداقة أيضا. اعتاد الذهنان المتّقدان، كامو وسارتر، المكوث معا الى ساعات متأخرة من الليل لتبادل الأفكار، في مقاه باريسية صارت ذائعة الصيت بدفعٍ منهما. التقى سارتر بكامو عند مفترق الأدب والمقاومة، وتباعدا عند مسألة الحرب الباردة. أيّد سارتر الإتحاد السوفياتي الى الرمق الأخير، في حين كفى إدراك كامو وجود المعتقلات السوفياتية ليعلن مناصرته الحياة ضد كل شيء يتهدّدها، وضد الإنزلاق الفتّاك نحو القتل، أياً تكن الذريعة. في بداية معرفتهما، برز سارتر محرّكا للجموع، في حين كان كامو لا يزال فردا في وسط المجموعة. ظهر سارتر شخصا ذا سطوة، في حين لم يتمتع كامو بهبة التأثير الجماهيري وإن تكرّس مبكراً، كاتباً موهوباً. لمجمل هذه الفروق، كان من المرتقب أن يختلفا وان يختلّ التوازن، ناهيك بأن سارتر لم يرتقِ، وفق كامو، الى مستوى مفهوم الصداقة التأسيسي.
تتبدّى الرسالة المكتشفة أخيراً، مهمة لأنها نادرة وتجيء بدليل على صداقة وثيقة هشّمتها الذاكرة الأدبية ولم تبقِ منها سوى انحرافاتها، سوى المقت والحسد والاقتصاص الشخصي. ولدت حكاية المعرفة في كواليس احد اعمال سارتر المسرحية واستمرت حول مائدة مطبوعة "الكفاح" السرّية تحت إدارة كامو، غير ان كباشاً أول بدّدها في 1947 ليصير جفاء في 1952، في أعقاب صدور بحث كامو "الرجل الثائر" الذي نبذه سارتر. استبقت الموسوعات الأدبيّة الخصومة خصوصاً، بيد ان الرسالة المقتضبة غير المعروفة والمكتوبة على ورقة مدموغة بإسم "غاليمار"، ناشر كامو، أظهرت قسطاً من الودّ الشخصي والقلق التأليفي أيضاً. ها هو كامو يلحق دعوته سارتر ودو بوفوار الى العمل بجدّ، بملاحظة انه وأصدقاءه انصرفوا الى الكسل وان النتيجة تتراءى كارثية الى حدّ يؤرقهم. ويمكن التكهن بأن تلك اشارة الى تمارين تمثيلية أجراها كامو على احد نصوصه المسرحية. غير ان الحيثيات الدقيقة لكتابة الكلام، لا تزال لغزا لجهة التوقيت الزمني وتموضعه في مسار كامو التأليفي.
لم نكن لنتوقّف عند سطور يسيرة ربما، لو لم تعنِ سارتر وكامو. مرّت بين الرجلين أسباب شقاق كثيرة، تمثّلت بالحرب الإسبانية والإحتلال النازي لفرنسا والمقاومة فالتحرير، الى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية والموقف من الولايات المتحدة الأميركية والإتحاد السوفياتي وحرب الإستقلال الجزائرية والصراع العربي الإسرائيلي. كان الواجب الإنتخابي إلتزاما قاصرا في عرف الجميع، فلم يستهوِ سارتر الذي رفضه وانتقده طقسا ديموقراطيا أشبه بـ"فخ للأغبياء". أما كامو فواظب على منح صوته الإنتخابي، وإن بلا حماسة. في تلك الأعوام لم يكن جدار برلين أسقط بعد، ولم يكن القرن العشرون أتى بالكلمة الفصل لمصلحة كامو، ليشهد في خواتمه على انهيار جميع اصناف الأنظمة التوتاليتارية. رفض كامو اعتبار أعماله "تصويرا" لأفكار فلسفية، لهذا السبب كتب لناشر "لا نيف" في 1948 معترضاً على تصنيف هنري ترويا مسرحيته "كاليغولا" "تصويرا لمبادئ السيد سارتر الوجودية". في مراجعته "الغثيان"، لسارتر أصرّ كامو على التأكيد ان "الرواية ليست سوى فلسفة اتّخذت شكل الصور"، وشدّد على هذا المعنى في مقاربة نصوصه. حرّك الوعي الذاتي كامو كاتباً، وتبدّى العمل الأدبي في عرفه اعترافا، لذلك كان له أن يشهد، بلا تعب.
نستعيد كامو خصوصا في تشخيصه مآل هذا العالم، يوم تحدّث عن إبدال الحوار بالتجادل. كتب: "صار القرن العشرين، قرن التجادل والمهانة. فما هو التجادل؟ انه اعتبار الخصم عدوّاً، وتسخيفه، ورفض رؤيته. متى أهنت أحدهم، فقدت القدرة على تمييز لون نظرته. بسبب التجادل، كففنا عن العيش في عالم البشر، صرنا نعيش في عالم الأطياف".
رسالة كامو الى سارتر تأكيد أخير وليس متأخراً، لإصراره على النظر في عيون مجايليه.

roula.rached@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard