كتاب - "ماذا جرى للمتوحش الأبيض؟" لفرنسوا غارد بساطة الروح المدهشة تتغلب على المكر الاجتماعي

27 آب 2013 | 00:00

يدافع الكاتب الفرنسي المعاصر فرنسوا غارد في روايته "ماذا جرى للمتوحش الأبيض؟"، عن البراءة المنتهكة بفعل النفاق الاجتماعي الذي يخفي أحط الغرائز تحت لبوس الأناقة الشكلية. يأتي استلهامه لقصة حقيقية كدعوة إلى التفكير في الإنسان بشكل مختلف، وإفساح المجال أمام كينونته كي تتحرى السمو الأخلاقي النابع من نقاء السريرة وصفاء القلب.

بدأت أسطورة المتوحش الأبيض عندما هجِّر البحار الفرنسي نرسيس بيللوتي في منتصف القرن التاسع عشر، إلى احد شواطئ اوستراليا المجهولة. هناك فقد لغته الام وعاش عاريا، تغطى جسمه بالوشوم، وتعلم الصيد من مضيفه. ثم عثر عليه أبناء جلدته مجددا لتبدأ رحلة العودة إلى أحضان الحضارة الغربية، وتبدأ معها مغامرة الجغرافي فالومبران، الذي فشل في مراقبة حركة الحياة عبر مهنة السفر، لينجح في لملمة حكاية اغتراب الإنسان عن أقرانه.
يضم العمل رؤيتين تتناوبان بشكل منطقي شيق، الأولى تنساب على لسان نرسيس كذكريات، والثانية تتخذ قالب الرسائل التي تتواتر من 5 آذار 1861 إلى 13 كانون الاول 1867 بين المستكشف ورئيس جمعيته الجغرافية، مما يهيئ للكاتب وسيلة نوعية لتفسير الماضي والحاضر، وفي تعاقب الاتجاهين تكاملا بين الجانب العاطفي والمنحى العلمي المجرد. فحين يسرد نرسيس مشاعره نقترب من تملك الحالة النفسية الفريدة التي امتحن بها وجوده. نعرف كيف استلقى مجردا من الشجاعة على الاعشاب المبعثرة، ودخل مرحلة المعاناة المؤلمة، التي أججها امل النجاة بحجج لا تطاق. كان ضياعه على الجزيرة رتيبا، ذهابا وايابا، اشتدادا ثم تحطماً. أكثر ما آلمه أنه ما تعلم قط اتخاذ القرار، ولم يهيئه ماضيه لمواجهة كهذه. ففي بدايات الزمن الصعب سالت الدموع على وجنتيه عجزاً عن العيش وسط قبيلة المتوحشين وعجزاً عن العيش بدونها. اعتاد رويدا رويدا البؤس الجسدي والشك في مصيره، والعري والغذاء العفن، لكن الاقسى كان الوحدة المطلقة، التي جسدت مسؤولياته كاملة في مواجهة لعبة لا قواعد لها، حيث ايقن انه محكوم بحرمان تام من سائر العلاقات الانسانية بكل ما فيها من موجات صداقة وصحبة وحب وشراكة واحترام واغراء وجنس. بدت له كل المشاعر على اختلافها ممنوعة، ولا أحد يقاسمه اليأس الأعمق الذي يكابده في حياته.
وصل نرسيس إلى أحضان المتوحشين في عمر الثامنة عشرة، وعاد في عامه السادس والثلاثين. تبدى منذ الوهلة الأولى أن المدة الطويلة قلبت طبيعة التجربة كليا، اذ اغترب تماما عن المفاهيم الأولية التي تشكل عماد المجتمعات الأوروبية، مما دفع فالومبران للتساؤل عن ماهية المقاومة التي أبداها تجاه الضغط البيئي، وكيف كان في وسع اي إنسان احتمال او مجرد تخيل عزلة بهذه الخطورة!
خلال اربعة اشهر بصحبة فالومبران، استعاد نرسيس لغته، مستكشفا مفرداتها من أعماقه، مقلدا ما أمكنه من تصرفات المحيطين به. تقدم نحو القرن التاسع عشر وفي داخله يتصارع شخصان، ففرضت ظاهرة التعلم على المستكشف واقعا جديدا حرّك يقينه: من هو المتوحش ومن منهما هو المتعلم؟ هل يجب التعرف إلى ثقافة العادات الهمجية التي يبديها نرسيس في كل لحظة، طالما انه يتكتم على حياته لدى المتوحشين؟ تمثلت محاولات تلمس الإجابة عند تتبع سلوك نرسيس اليومي، ابتداء بعفويته الصادقة وحيويته المحببة عند مقاربة النساء، التواضع عند استعراض مهارات الصيد بعيدا عن الفخر والغرور، الرقة الحانية التي يتعاطى بها مع الآخرين دونما تمييز، وصولا إلى علمه الراسخ بقواعد القتال، الذي اضطر لاستخدامه عند تعرضه لاعتداء من سجين سابق. أظهر المتوحش الأبيض حضارة تفوق حضارة السجين، المستغرق في الفسوق ونكران الجميل.
بدا السؤال حول كون نرسيس سعيدا، عقيم الاجابة. فهو لا يعبر عن ايّ مشاعر شخصية، بل يبدو انه يعيش كل يوم بيومه. زاد الأمر تعقيدا رفضه الاجابة عن الاسئلة المباشرة حول حياته بين المتوحشين وموقعه منهم، وظل صمته مستحيلا يتعذر سبر أغواره، إذ لا يتحطم الا بانفعال عنيف يحول بينه وبين الاحتفاظ بسره الدفين، الذي يبدو انه قطع عهدا بكتمانه. لم يهزه سوى اعجابه بفخامة الامبراطورة وألمه لمصيبة صديقه إثر خسارة طفله.
عيِّن نرسيس حارسا في محل من الدرجة الثالثة للمنارات والشاخصات. بدا جليا تأقلمه السريع مع طبيعة الحياة، لكن المشكلة التي بدأت تظهر امامه، هي عدم قدرته على فهم معنى الملكية ومفهوم المال. فهو يعطي قبعته وسترته لمن يحتاجها، ويأخذ في المقابل ما يحتاج من دون مكر مقصود. اما ماله فيتسرب لدى بقال القرية ليبتاع بعض الدمى والسكاكر للأطفال وبعض الدخان لزملائه. هذه المشكلة تتوافق تماما مع عدم قابليته على فهم الحب الذي يباع ويشترى. حاول فالومبران بناء فرضيته المدهشة حول المتوحش الأبيض، عقب مرور ست سنوات على عودة نرسيس إلى عالم ذوي البشرة البيضاء، فروى لضحيته حكايته الشخصية أملا في استنطاقه، فأجهش بالبكاء واستجداه بنظراته أن الكلام يعني الموت. فالتأرجح بين عالمين، كان يفنيه الما وتمزقا ويجعله يتلاشى عدما. فمن كان ليصدق انه امضى ايامه خوفا، ومرت اللحظات ذعرا لحظة بلحظة؟ ومن كان ليغفر إذلال الجوع، ويتفهم رعب الحاجة إلى من نستبطن فيهم الأعداء؟ لا أحد سوى من يستوعب عودته كطفل، ببساطة روح مدهشة وغياب مطلق للمكر والتهكم!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard