الألم الآتي الى الضاحية: قصص الفواجع في البحث عن الضحايا

17 آب 2013 | 00:00

عند السادسة وعشر دقائق وقع الانفجار، وارتجت معه المباني. الموت جاء في سيارة. لحظة واحدة قلبت المشهد. حريق ودخان، وزجاج يتساقط من الأعالي. قتلى وانين جرحى، وصراخ اهل هرعوا للبحث عن احبائهم. لحظة واحدة ايقظت من كان نائماً في منزله، ورقد معها من كان يمرّ في ذاك الشارع الى الابد. عابرو سبيل، اطفال ونساء ورجال يعملون في محيط الانفجار وعمال اجانب، عشرات الضحايا لم تميّز كتلة اللهب القاتلة بينهم.

قبل نحو عشرين متراً من بداية حي آل المقداد في منطقة الرويس وقع الانفجار. سيارة انفجرت وهي تسير. احدهم قرر انهاء حياته، وانهاء حياة كثر معه. انه انتحاري، يقول المتجمهرون في المكان.
في لحظة الجنون هذه، كان محمد في محله، يقول من يعرفه انه القدر. ربما كان يهمّ بالعودة الى عائلته، ربما كان يريد ان يستريح. واحدة من معارفه سمحت لنفسها بالاستطراد "من يحمينا؟ قتل محمد دون ذنب، هو ليس مع احد، مات محروقاً، قتل وهو يفكر كيف يطعم عائلته".
مات آخر من بيت المقداد، هرع الى الموت بنفسه. سارع الى مكان الانفجار، قال لآخر من تحدث اليهم "علينا ابعاد الناس من المكان، لعل انفجارا آخر ينتظرهم". كان يساعد في نقل الجرحى والضحايا، قبل ان يصبح ضحية. قتلته الكهرباء اثناء حمله احد الضحايا، لنقله الى سيارة الاسعاف. قررت كابلات الكهرباء ان تكون ضدّ الضحايا هذه المرّة، مات الرجل.
رحل محمد صفا. الشاب الثلاثيني مات امس. زميلنا في "النهار" لن يدخل الى الطابق السابع بعد اليوم. لن يحمل حقيبته التي لم يكن يتركها. لن يمازح زملاءه قائلا "ما في معاش، طويلة".
لن يلعب كرة القدم. لن يرفض بعد اليوم تناول الغداء مع احد، لانه موعود بتناوله مع زميلنا ديب. كان محمد عائدا من البحر امس، فكر طبعا بلقاء بناته، ولم يفكر بالموت. سيتأخر محمد كثيرا على بناته. لن يعود من البحر، تركنا وبقي مع الفرح.
في زاوية المكان، تستجمع نساء قواهن. تتحدث احداهن بصوت يخرق كل الضجيج. تتحدث عن هدية الضاحية في ذكرى الانتصار على اسرائيل "هل هذا ما تستحقه؟ هل الضاحية تستحق رائحة الموت؟ لا. مطلقاً. هي لا تستحق سوى الورد والارز. لقد انتصرنا لكم، ولنا، ولكن.." تسكت قليلا، وتستعيد عبارات قيلت في حرب تموز "فدى السيّد. هذا يزيد صمودنا واصرارنا، نحن لا نخاف، ولا ننكسر".
خنقها دخان الموتى ولهيب اجسادهم. قتلت بتول في منزلها. ربما قصتها تختزل اكثر ايلاما. لم يستطع احد انقاذها. علقت ابنة العشرين عاما في شقتها التي امتلأت بالدخان. لعلها خافت عندما اهتز منزلها. خافت وهي تتنشق دخان الموت. خافت وهي تنتظر احدا يخرجها. وصلوا متأخرين، اخرجوها بكيس اسود، يشبه وجوه القتلة.

"أولادي راحوا"..
عاجزين وقفوا امامها. رجال أمن "حزب الله" المحترفين، فجأة عجزوا عن فعل شيء يردعها، لم يستطع احد منهم اعطاءها اي جواب، هي تلك العجوز التي يوحي تعبها انها لا تخرج عادة وحيدة من منزلها. تمشي وتتكئ الى اي احد تراه جانبها. لم يكن ظهرها المنحني قادراً على منع وجهها من التحديق بالوجوه جيداً. قالت انها تبحث عن اولادها، "جميعهم، هنا، اسمح لي يا ابني بالدخول". لم تنزل دمعتها، لكنها بدت مستسلمة لخبر قد يأتيها في اي لحظة. نظرت في وجوه البعض كأنها تقول لهم، "اولادي راحوا". هي مقتنعة انهم شهداء. هكذا قالت. وتاهت بين الجموع.

جثة انتحاري؟
بين خشبتين متلاصقتين تدلّت جثته. قال البعض انه الانتحاري. طارت اشلاؤه الى بعد خمسين مترا من الانفجار. سالت لتعلق بين الخشبتين، وليسقط قسم منها على الارض. تجمهر الناس حوله. هو قاتلهم، ليس لديه ما يخسره، لكنهم يشمتون به، "الى جهنم، اما ضحايانا فهم شهداء". منع احد من الاقتراب، فالادلة الجنائية تبحث عن شيء ما. قد لا تكون هذه الجثة للانتحاري، لكن الاهالي يؤكدون.
أكثر من ضحية سقطت في الانفجار الى الآن. لعلها تحمل قصصا اكثر مأسوية، ومشاهد سوريالية. الخوف لا يزال يحتّل الضاحية. الخوف على المفقودين. امام المستشفيات امهات هرعن الى عناصر الامن يبحثن عن اسم أولادهن بين لائحة أسماء مطبوعة لمن أدخل إلى المستشفى، هو في نظر إحداهن ليس اسما، هو حياة لا تريد ان تفقدها. تركض من شخص الى آخر، تتوسلهم، ولعلها لم تفعل ذلك قبلا. تريد البحث عن ولدها في الداخل. هي توشك على الانهيار، اسمه غير موجود.. تتوجه الى المستشفى الآخر.
مرعب تنظيم "حزب الله". بسرعة قياسية وبتنظيم مبالغ فيه، انتشر عناصره في الضاحية. امام كل المراكز، وفي كل المفارق حواجز ثابتة، تمنع أيا كان من الدخول. حول كل المستشفيات اخذ "حزب الله" مسؤولية الامن،
نظم دخول من له عمل ومنع الآخرين. حمل أصحاب الشارات الصفراء أجهزتهم اللاسلكية وتواصلوا. لا مشاكل تذكر. كل شيء مضبوط. هم في كل مكان.

"سرايا عائشة أم المؤمنين"

بث عبر موقع "يوتيوب" شريط فيديو لمجموعة اطلقت على نفسها امس "سرايا عائشة ام المؤمنين – المهام الخارجية (الصورة عن الفيديو)، تبنت فيه انفجار محلة الرويس في الضاحية الجنوبية لبيروت. واعلنت الجماعة "ان الانفجار كان عمليتها الثانية وتعهدت بمزيد من الهجمات على "حزب الله". وطلبت من اللبنانيين "الابتعاد عما سمته مستعمرات ايران في لبنان". ويظهر من نبرة المتكلم ان هذه المجموعة المجهولة والتي تعلن عن نفسها للمرة الاولى هي من غير اللبنانيين.

ali.mantach@annahar.com.lb
twitter: @alimantash

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard