نص - اسمه عليّ عمره عشر سنين ولا نعرف من قصته إلا أنين جسده المبتور

17 آب 2013 | 00:00

اسمه عليّ. عمره عشر سنين أو أكثر. لا نعرف من قصته إلا أنين جسده المبتور يسرده في فيديو قديم. "لا أرى بعيني"، يقول الصبي، "فقدت يديَّ"، يضيف، ليعقب بعدها على نحوٍ مثير: "لست حزيناً، يداي سبقتاني إلى الجنة، لا أحد مثلي!". يبتسم الفتى فيضيء وجهه بهياً متعالياً على حزنه العميق. يبتهج مصوّر الفيديو بكلمات عليّ الذي فتّتت وحشية النظام جسده العام الماضي، فيدفعه إلى قول المزيد ليجعل من قصة الصبي درساً دينياً في الصبر والإيمان. "لم أسمع، هل تستطيع أن تعيد مرة ثانية؟!"، يقول الرجل ليحضّ الصبي على تكرار حمده لله على مصابه. يعيد عليّ ما يريد منه الرجل أن يعيد، لكن دمعته الأخيرة تفضحه حين تنسلّ متساميةً على رتابة الإجابات الجاهزة.
في مشهدٍ تراجيدي، يمدّ الصبي يده المقطوعة نحو وجهه ليمسح دمعته. ينسى الجسد لبرهة أن لا يد له ليجفف عينيه حين يتكشّف الحزن جامحاً عصياً! في لحظة الحقيقة هذه، تنهار الإجابات المعدّة مسبقاً، فيتجلى جسد الفتى ذاكرةً لا تقبل نسيان أعضائها المبتورة. إنه حاضر الجسد المشوّه حين يحلم بماضيه، فيتمرد على كلمات مسبقة الصنع يكررها صبيٌّ جميل عن السعادة. لا، ليس الفتى بسعيدٍ، وليست حكايته درساً دينياً. حمد عليّ لربّه على مصابه، محض تكرار لثقافة شعبية تربّينا عليها. تثور الدمعة على هذه الثقافة لتقول ما لا تجرؤ الكلمات الواعية على قوله: إذا كان "الله" - كما تدّعون - هو من أراد لجسدي أن يُبتَر على هذا النحو الوحشي، فأنا، الجسد، لا أريد ما يريده "الله" لي! لذا أمدّ يدي المقطوعة، متحدياً "قدري"، لأمسح دمعتي وكأن يدي لا تزال كما كانت، كاملة!
تتمرد دمعة الصبي على السكينة التي يحاول الفيديو أن يسجنه فيها. لذا، يمتد حاضر الجسد في ماضيه، فيعيش عليّ جسده متخيَّلاً: جسدٌ كاملٌ كما في الماضي، بيدين وعينين. يثور الجسد على واقعه، ومعه تثور كلمات الفتى حين تخفي بين أحرف رضوخها تمرداً فريداً. قيل لعليّ إن مصير أمثاله ممّن سفك النظام السوري دماءهم هو "الجنة". جميلٌ قولنا هذا، ويا مرحباً بـ"الجنة"، يتهلل عليّ، شرط أن تحتضن جسده كاملاً: "يداي سبقتاني إلى هناك!" لا يحدّثنا عليّ عن روحٍ ستنعتق من أوجاع الجسد، بل عن يديه اللتين لن يتخلى عنهما أبداً! بكلمات أخرى، لا يقايض عليّ جسده بـ"الجنة" بل يريد أن يربح الاثنين معاً. لذا، لا يتنازل الفتى عن أيّ جزء من كيانه، بل يفهم "الجنة" كحالٍ من اكتمال تحوّلات الجسد: جسدٌ كامل يستعيد يديه المبتورتين. قد لا يشارك بعضنا عليّ إيمانه بحياةٍ تعقب الموت، لكننا لا نستطيع إلا أن نشاركه شغف جسده الثائر على الواقع و"القدر". جسدي متألمٌ نازف، يقول عليّ، لكنني أكبر من نزيفي. لذا يمتد جسدي في ذاكرته، ولذا تمتد كلماتي نحو "جنة" يكتمل فيها الجسد! جسدي الآن هنا، يقول عليّ، لكنه أيضاً "هناك". هكذا، يتسامى الفتى على الثنائيات المبسّطة التي تفصل "الروحي" عن "الجسدي"، فيقدّم ذاته جسداً متخيَّلاً تتوحّد فيه الأرض بالسماء.
لجسد عليّ إذاً ثلاثة أعداء. عدوّه الأول ثقافةٌ قَدَريّة لا تعرف من الرحمة شيئاً، بل تحكم على طفلٍ صغير بأن يعيش متألماً ليربح "الجنة"، ولذا وجب عليه "الحمد"! عدوّه الثاني روحانيةٌ مثالية قائمة على إنكار الجسد أو اختزاله في كتلةٍ من لحم تتجمع فيها أعضاء متفرقة. لذا، لا يبالي عليّ بـ"جنة" لا تحتضنه كاملاً بيديه المبتورتين وعينه المفقودة. عدوّه الثالث ماديةٌ محضة تنحسر في حدود الحاضر فتجهل ما في الخيال من حقيقة. لذا، يمدّ الفتى يده المقطوعة ليمسح عينيه فيستعيد ماضيه الضائع. لذا أيضاً يستمر الفتى في بحثه عن جسدٍ متخيَّل يكتمل موحِّداً الأرض بالسماء. جسد عليّ إذاً، ليس بضاعة دينية نتاجر بها؛ جسد عليّ ليس كتلة لحم خاضعة لروح تتعالى عليها؛ جسد عليّ ليس محض قوانين فيزيائية؛ جسد عليّ حالٌ من امتداد الرغبة حين تتحدى قسوة الواقع المفرطة؛ جسد عليّ هو هويته كما يتخيلها ويعيشها. لذا لن يدخل "الجنة" إلا به.
يمتد جسد عليّ في تخيلاته إذاً ليستعيد أعضاءه الضائعة. جسد القاشوش امتدّ في أغنية ليستعيد حنجرته المبتورة. أجساد شهداء المطاحن امتدّت في الرغيف. أجساد أصحابنا الذين رحلوا، امتدت في حكايات ما زلنا نسردها ليعيشوا. جسد فداء البعلي امتدّ في الصور التي كان يلتقطها ليتوحد مع قضيته فيصير استمراراً لها. هكذا، ينقلب الجسد هويةً ترسم علاقتنا مع العالم: أغنية، صورة، حكاية، ثورة لا تقبل بمحدودية واقعها. "لذلك ربما تبرّع عبدالله للتمدد في قبر صديقه، متذرعاً بالتأكد من اتساعه لجسده الشهيد. "سألوني بيسعو القبر؟ تمددت بالقبر وتحركت، وقلت منيح بيسعو. وبكيت... جهاد شهابي خيي حقّك على راسي غلطت... السماء ما بتسعك حتى يسعك القبر!" (رزان زيتونة، "ريف دمشق: اللحظات التي تسبق موتنا جميعاً").

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard