مصر: الشعب السياسي أو الحرب الأهلية

17 آب 2013 | 00:00

هل تؤدي المنعطفات السريعة الكبرى التي تعيشها مصر منذ 25 كانون الثاني 2011، الى المشروع الضمني الذي أطلقته الثورة: البناء السياسي للشعب المصري، وذلك بصفته فاعلاً تاريخياً يعي ذاته في ذاته ولذاته؟ وحدها هذه العملية مؤهلة للحؤول دون ذهاب مصر الى الحرب الأهلية. وهي عملية تاريخية مؤلمة وطويلة الأمد، ولن تتحقق بمبادرة من هنا وبيانات للتوقيع وحملات من هناك. فمشروع بناء الشعب يستحق العناء ولا يزال في بدايته.

تعددت المبادرات الساعية للخروج من الأزمة المصرية الراهنة، وتنوعت أطرافها من محلية الى دولية، لكنها اتفقت كلها على محورية الاقتراعات المبكرة كخطوة رئيسية تتبعها أو تتوازى معها خطوات أخرى تتعلق بالمصالحة والحد من الخطابات التحريضية على جانبي الانقسام، وصولاً الى ضمانات عدم إقصاء التيار الإسلامي، وفي القلب منه جماعة "الإخوان المسلمين"، من كل عملية سياسية جديدة.
يقول الفقهاء إن "الحكم على الشيء فرع من تصوره". هذا يعني أن الحكم على نجاعة هذه المبادرات وقدرتها على إيجاد مخرج واقعي من الأزمة الراهنة، مشتقان من توصيفنا طبيعة هذه الأزمة نفسها: هل نحن في حال انقلاب عسكري، أم في خضم موجة ثورية جديدة انحاز إليها الجيش مرة أخرى؟ هل ما يتهددنا هو فاشية عسكرية من نوع ما، أو عودة لدولة مبارك الأمنية، أم فاشية إسلامية مسلحة في الشوارع تهدد بالقضاء على الدولة الوطنية، أو ما بقي منها؟ أقترح لتقصي الإجابة عن هذه الأسئلة حديثاً نصفه أكاديمي ونصفه سياسي.
أكاديمياً، أعتقد أن ما تشهده مصر منذ ما قبل رحيل مرسي بأيام أو ربما بأسابيع، هو حال من حرب أهلية فعلية، وإن كانت منخفضة التكاليف والخسائر. فشروط الإجتماع المشترك بين المصريين، قد جرى تخريبها على نحوٍ دؤوب منذ وصول مرسي وجماعة "الإخوان" الى سدة الحكم. الآن هناك كتلتان من السكان – بغض النظر عن حديث الأغلبية والأقلية- غير راغبتين تماماً في العيش المشترك، ويسعى كل منهما في مراكمة الموارد المادية وأدوات القمع اللازمة لإنزال هزيمة تاريخية بالطرف الآخر. أما الدولة في هذا السياق ففقدت صفتها الأهم: الضامن لعلاقات السلطة الإجتماعية المُقَّرُ باحتكارها استخدام وسائل العنف. هذا ينافي دعوة وزير الدفاع المصريين الى التظاهر دعماً للجيش في مواجهة قطاع معتبر من المواطنين المصريين. في هذه الحال، وتحديداً نتيجة غياب الإجماع على وظيفة السلطة، تتحول مؤسسات الدولة من محتكر للعنف الشرعي إلى مجرد سلطة تسعى في تأسيس هذا الاحتكار، ولكن بعد هزيمة الطرف الآخر. على الجانب الآخر، تعلن القوى الإسلامية سعيها الصريح من دون مواربة إلى إحداث انقسام في الجيش، إدراكاً منها لاستحالة انجاز هدفها، أي هزيمة المعسكر الآخر، في ظل خلل فادح في موازين القوى العسكرية. إنها حرب أهلية مكتملة الأركان إذاً، لا فرق إن كان ضحاياها بالعشرات أو بالمئات أو بالألوف، ولا فرق إن كانت ستستمر أسابيع أو سنين.

الاستفتاء استكمال للعنف
ألف باء الخروج من الحرب الأهلية هو تجنب "الإقتراع". أي كتاب أو مقال أو دليل عمل حول كيفية الخروج من فخ الاقتتال الأهلي سيفاجئك بالجملة المفتاحية الآتية: "لا تستعجلوا الاقتراع سواء في صورة استفتاء أو انتخاب". تعليل ذلك بسيط: لأن آلية الانتخاب في كل مجتمع من الضروري أن تلي تأسيس الإجماع حول شروط العيش المشترك، فإذا تآكل هذا الإجماع تآكلاً شبه كامل، كحاله في مصر، يتحول الاقتراع طريقاً يفضي الى عنف أكثر اتساعاً وعمقاً.
المسألة لا تتعلق بخوف النخب الليبيرالية واليسارية- المعروفة في السياق المصري بالنخب "المدنية"- ولا بخوف الإسلاميين من اختبار الثقة الانتخابي، على ما يصر البعض. ربما كانت فرضية الثقة هذه صالحة عند الحديث عن الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي طرحها المجلس العسكري الحاكم في 19 أيار 2011، أو في انتخابات برلمان 2011، عندما كانت نسبة الناخبين المتأرجحين والمرجّحين، عالية نسبياً، لذا كان تجنب المشاركة في هذه الاقتراعات بمثابة هرب من استحقاق مواجهة الجماهير ببدائل واضحة ومقنعة. لكن الوضع انعكس تماماً منذ الانتخابات الرئاسية في 2012، حين تمترس الناخبون في شكل غير مسبوق على جانبي انقسام سياسي وثقافي بالغ الحدة والعمق. واستمر التمترس والاستقطاب وتعمق مع الجدل حول الدستور في نهاية العام الماضي، ثم حول الاستفتاء. وهذا لم يكن ليمر من دون تواطؤ الجيش الذي كان مستفيداً رئيسياً من الدستور "الإخواني" في إقراره استقلال المؤسسة العسكرية، السياسي والمالي، في مواجهة السلطات المنتخبة. الدرس المستفاد من هذين الاقتراعين أن جانبي الاستقطاب كانا عاجزين عن الاتفاق على الحد الأدنى من شروط العيش المشترك، تالياً فقد الاقتراع قيمته لأن أحداً لم يكن مهيأً أصلاً لاحترام نتائجه. في مواجهة هذا الموقف لا يمكن اللجوء الى تلاوة المحاضرات التي تدعو الناس الى الاقتراع وتبشرهم بفوائده. هذا محض انعدام كامل للمسؤولية، إذ إن كل اقتراع يتحول مناسبة لتعميق الاستقطاب وتعميمه مجتمعياً عبر دعوة قطاعات جديدة الى الإنخراط فيه!
لذا لا يمكن المبادرات الساعية الى الخروج من فخ الحرب الأهلية في مصر – حتى في حال افتراض حسن نيتها - أن تحيل الناس المتحاربين أو المتجابهين في الشوارع على اقتراع جديد، سواء على شكل استفتاء على خريطة الطريق، أو على شكل انتخابات رئاسية مبكرة. الاستفتاء على خريطة الطريق لا يعني عملياً إلا إقرار الجيش بأن إطاحة مرسي كانت خطأ، وبأن عودته واردة بكل ما يستدعيه ذلك من اضطراب في صفوف الجيش نفسه، وانعكاس ذلك على نصف السكان على الأقل، ما دام هذا النصف لا يقبل ولو للحظة واحدة احتمال عودة مرسي للحكم. في المقابل يفسر "الإخوان" وحلفاؤهم هذا التراجع بوصفه نصراً تكتيكياً، مما يعني مزيداً من الحشد والتحريض والتصعيد. كل هذا يترجم نفسه في الشارع في صورة عنف مضاعف تتكفل آلية الاقتراع تعميمه جغرافياً، ناهيك بعدم وضوح الخطوات التالية، في حال جاءت نتيجة الاقتراع معاكسة لرغبة الإسلاميين.
في المقابل ربما ظلت الانتخابات الرئاسية المبكرة خياراً منطقياً قبل بدء المجازر، عندما كانت الأغلبية معبأة في الشوارع والقوى الديموقراطية والثورية تتمتع بقدر معقول من التأثير في معسكر 30 يونيو العريض والمتناقض. رأى كثرٌ وجاهة في هذه الفكرة كخطوة ضرورية للإجهاز على حكم "الإخوان" سريعاً، والبناء على الزخم الثوري في الشارع، بدلاً من تحويل انجاز 30 يونيو التاريخي "تفويضاً" لاستعادة الدولة الأمنية (بغض النظر عن حظوظ هذه المحاولة من النجاح). إلا أننا بعد الانتقال من مرحلة "المنزلة بين المنزلتين" (أي التأرجح بين الانتفاضة والانقلاب) إلى مرحلة الحرب الأهلية الصريحة، فإن ما يسري من تحفظات عن خيار الانتخابات الرئاسية المبكرة، يسري ايضاً على خيار الاستفتاء: المخاطرة بإفراز أوضاع هشة غير قابلة للاستمرار ولن تؤدي إلا الى اتساع نظاق العنف الأهلي وتعميقه.

الشعب قيد التشكل
ما العمل إذاً؟ وكيف يمكن الخروج من الدوامة؟
مرةً أخرى لا يشكل الإقتراع حلاً. وحده التوافق بين الفرقاء على شروط الحد الأدنى من التعايش، هو الذي يكفل وقف مسار الحرب الأهلية الكئيب. لكن كيف يمكن الوصول الى هذا التوافق؟
عودة إلى أدبيات الحرب الأهلية مرةً أخرى ليواجهنا الخبر السيئ: شرط التوافق اللازم والكافي يجسده إدراك الأطراف كافة محدودية ما يمكن انجازه بالقوة. هذا الإدراك بعيد، بل بعيد جداً عن أطراف الحالة المصرية. فمن بين قوى معسكر 30 يونيو، يبدو أن الجيش والقوى التي تقرّ بقيادته من دون قيد أو شرط، تتخيل إمكان انزال هزيمة تاريخية بمجمل التيار الإسلامي في مواجهة مصيرية مفتوحة. في المقابل يراهن "الإخوان" على استنزاف معسكر 30 يونيو وإثارة الاضطراب بين مكوّناته حتى يتشقق من داخله وينقلب ميزان القوى لصالح "الإخوان". محصلة هذه المعادلة هي استمرار الصدام الأهلي حتى إشعار آخر.
كيف على القوى الديموقراطية والثورية أن تتصرف في مواجهة هذه المعضلة؟
هنا يتوقف الأكاديمي عن الكلام المباح ولا يجد المدد إلا من حديث السياسة.
أمام هذا الانقسام الصافي أجد نفسي تلقائياً في صفوف المعسكر الساعي الى إنزال هزيمة تاريخية بـ"الإخوان" وحلفائهم من التيارات الإسلامية الأخرى. أعتقد يقيناً أن هذه الهزيمة ضرورية لحياة الشعب المصري وتقدمه. فـ"الشعب"، بالنسبة لي، هو مشروع قيد التشكل منذ انطلاق الثورة في 25 يناير 2011. و"الإخوان" في سعيهم الى تخريب كل ديناميكية مدنية ديموقراطية أطلقتها الثورة - وهي الديناميكيات الضرورية لتشكل هذا الشعب كفاعل تاريخي يعي ذاته في ذاته- قد حولوا أنفسهم إرادياً "أعداء للشعب" بامتياز. وأنا مع "الشعب" في مواجهة أعدائه. واجب كل مؤمن بمشروع الشعب ذاك، أن ينتظم في مسار المعركة ضد "الإخوان" وحلفائهم حتى يدرك "الإخوان" حدود قوتهم ويضطروا اضطراراً إلى القبول بشروط جديدة للعبة.
هذا لا يعني قطعاً الانجرار الساذج الى فخ المصادقة على عودة الدولة الأمنية. بالعكس، فالقبول بعودة هذه الدولة لا يعني إلا عودة معارضتها الإسلامية من الشبّاك بعد خروجها من الباب. الدولة الأمنية والفاشية "الإخوانية" وجهان للعملة نفسها، ويستدعي كلٌّ منهما الآخر، ولا أمل في هزيمة أيّ منهما في الاعتماد على الآخر. حياة كلٍّ منهما متوقفة على حياة الآخر، وكلٌّ منهما يستدعي الآخر الى الوجود الدائم. فمن زاوية أولى، لا يمكن القضاء المبرم على دولة مبارك الأمنية من دون إقصاء شعبي لـ"الإخوان" يجرد هذه الدولة من مبرر وجودها الأهم، ويفرز مراكز قوة سياسية مدنية ديموقراطية منظمة، من نقابات ومنظمات مجتمع مدني وروابط أهلية قادرة على وراثة مكاتب أمن الدولة التي تدير دولاباً مؤسسياً وبيروقراطياً مترهلاً، وتدعي الحيلولة دون انهيار الدولة في مواجهة المد الإسلامي. في المقابل، لا يمكن التخلص من "الإخوان" بالانحياز الى دولة اتخذت بدورها من تخريب كل حساسية مدنية أو ديموقراطية هدفاً أسمى، على النحو الذي يدفع كل المغتربين عن حداثتها السلطوية إلى أحضان المشروع "الإخواني". في عبارة أخرى، إن مركّب الاستبداد والفساد والاستغلال، ينتج معارضته "الخلاصية" إنتاجاً دائماً، ولا يمكن القضاء على هذه الفاشية الخلاصية بدون استئصال المركّب نفسه. هذا يعني أن واجب كل ديموقراطي مخلص في معاداته للفاشية "الإخوانية"، تمييز رايته عن راية الجيش والداخلية وباقي مكونات 30 يونيو المنضوية تحت لوائهما، وذلك لأسباب سياسية براغماتية بحتة، قبل كل حديث في الأخلاق.
قد تستدعي كيفية تمييز الرايات نقاشاً آخر، لكن المؤكد أنها عملية مركّبة بدورها، وستستغرق وقتاً قد يطول، ولن تبدأ بالضرورة بمبادرة هنا وبيان للتوقيع هناك. إنها عملية تاريخية مؤلمة "قد تثقل القلب"، ولكن لنتذكر جيداً أن "مشروع بناء الشعب" الذي أطلقته ثورة يناير يستحق العناء، ولا يزال في بدايته.

 كاتب وناشط مصري

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard