ثعالب وقطّاع طرق

17 آب 2013 | 00:00

بين حين وحين، يلحّ بعض القرّاء مطالباً بأن تُلزَّم صفحات "الملحق"، أحياناً، للفرار من وجه معادلات الأمر الواقع، أو للتمرّد على هذه المعادلات، فتكون مخصَّصةً للمنادين بـ"الوقاحة"، وقاحة القلب والعقل، وقاحة الغفلة، والحبّ، أو وقاحة الطيران الحرّ في حبر الهواء الطلق، كما لو فوق هاوية. قبل أيام، سألت إحدى القارئات أن يتقمّص كتّابنا شخصيات "قطّاع طرق"، فتكون هذه الصفحة الأولى، مثلاً، رهينةً لدى واحد أو واحدة من هؤلاء.

كم يستهويني أن تكون الافتتاحية مكتوبةً بحبر "قطّاع الطرق". كم يستهويني شخصياً أن أكون "قاطع طريق"، لكن كيف يكون لي ذلك، أيتها القارئة العزيزة، وأنا أشعر كلما هممتُ بشيءٍ من هذا، بأني أرتكب ترفاً أو جرماً ما؟!
حتى في الهرب الشخصي، الذي يحلو لي أن أجعله بمثابة نومٍ غفير، أشعر، بيني وبيني، بأنه لا يتسنّى لي أن أهرب تماماً. ثمة عينٌ مغمضة، وأخرى تظلّ مبحلقة في فضاء العقل، وهواجسه، تحول بيني وبين الهرب الكبير. شيءٌ ما في قلبي، بل في قعر رأسي، يجعلني عالقاً، ها هنا، في الشقاء اللبناني، السوري، الفلسطيني، العربي، العميم. فكيف أستطيع أن أستسلم لـ"نزوات وقحة" محبوبة، توازي في شبقها، شبق الحياة المنهوبة نفسها؟
أهو الواجب؟ التبكيت؟ أم هو الهجس الوجودي يقول لي إن البقاء في دوّامة هذا الشقاء العربي لا سبيل إلى التحرّر منه إلاّ بإتمام امتحان الحرية؟!
لو استطعتُ، أيتها القارئة، لأمضيتُ حياتي "قاطع طريق"، هاشلاً في اللاأمكنة، في خدعة الأوهام الحرون، أو في حبر الكتابة الأدبية، حيث الجرح المقطّر الصافي.
لكني، إذا كنتُ شخصياً أكبت قلمي فلا أتيح له أن "يتواقح" بسبب الخفر، وبسبب فداحة ما نحن فيه، فإن هذا "الملحق" يفسح الحبر لمن تستهويه "وقاحة" إسلاس جسد الكلمات فوق هاوية. "الملحق" ليس وقفاً على القائمين به، ولا على زوّاره وضيوفه المعهودين فحسب. إنه لمن شاء من "الفارّين" و"المتمرّدين"، الكامنين المتربّصين، فارضي "الخوّات" المضنية في الكتابة، من أهل الجموح الخلاّق، أهل الطيران فوق هاوية، والعشّاق بقلوبهم المضمّخة بالشوك العزيز. شرط "الملحق" الوحيد، الصارم، هو قيمة الشرط الأدبي الأخلاقي، من أجل أن لا يقع "قطّاع الطرق" هؤلاء، في غواية الفخاخ الأدبية السهلة، المنصوبة في كلّ مكان، ومن أجل أن يكونوا مستحقّين مغامراتهم النزقة، وصانعين، ها هنا، وسعاً أدبياً افتراضياً تحتاج إليه حياتنا الضيّقة.
لم يعد ثمة مكانٌ جليل نذهب إليه، يا قارئتي. لم يعد ثمة مكان. لقد خُرِّبتْ أمكنتنا الشخصية والعامة، وانتُهِكت أوطاننا. سُرِقت. ونُهِبت. وجُعِلت قاعاً صفصفاً. ألا تَرَين كيف أصبح معيار "الكيتش" السياسي، المجتمعي، العقلي، الفكري، الديني، الثقافي، الإعلامي، الاستعراضي، الجسدي، الرخيص، هو المعيار القيمي الوحيد المعمول به في مكاننا اللبناني المريض؟!
حتى بات "الملحق"، وبعض الواحات الأدبية والثقافية، القليلة الباقية، نوعاً من الأمكنة المنقرضة، التي تثير "الشفقة" و"الاستهزاء" عند عموم أهل "الكيتش" هذا!
كنتُ أحسستُ مع العدد الفائت من "الملحق"، المخصَّص لزمن "المعرض"، بأننا "قطّاع طرق"، "ننتقم"، بالبرهان التاريخي الثقافي القوي، لأنفسنا ولبلادنا، كيف أن هذه البلاد التي يعتقد البعض أنها – في راهنها العفن - لا تستحقّ الحياة، كيف تستطيع في كلّ لحظة، أن تصنع ما يستحقّ الحياة؟
ليت "قطّاع الطرق"، من المتجرّئين "الوقحين"، العشّاق والكتّاب والباحثين والمؤرّخين والنقّاد و... شعراء الحياة والجسد الجامحين المشّائين التائهين في غيوم الحياة، ليتهم يساهمون من ها هنا، في قطع دابر العفن والاهتراء والموت، لتأجيج الجمر، وإلقاء الضوء على كلّ ما يستحقّ الحياة في بلدنا الآيل إلى الخراب العميم، بحثاً عن مكانٍ - "صيغة"، كالمكان الذي يختلق الفسحات والمساحات والفضاءات والمعادلات القادرة على اجتراح القيمة في معنى الدولة، في السياسة، في المجتمع، في الدين، في الثقافة، كما في العيش اليومي الكريم.
حيوان الهجس الجريح، يبحث عن بيتٍ يأوي إليه، قبل أن يواصل تيهه في الأرض العدمية الماحقة.
لقد يئسنا من رائحة العفن. ومن القتل. ومن التقزّم. لقد يئسنا فحسب. ونريد أن نقطع الطرق لنتكئ قليلاً. نريد أن ننحني على نبع لنشمّ رائحة النبع، كما كنا نفعل في كلّ خيالٍ جارح وطفولة.
أيتها القارئة، تعالَي إلى ها هنا. اقطعي الطرق، و"تواقحي" كثيراً أو قليلاً، باستخدام ترف المراهنات الأدبية النزقة. أكتبي ما يشقّ ثياب الغيمة، ويعرّيها. الطريق إلينا محفوفة بفجاجة الطيران الجامح. ثمة جبلٌ عالٍ لا بدّ من ارتقائه، من أجل أن يكون الطيران الوقِح والنزِق في غيوم الفراغ قادراً على اختراق توازنات الجاذبية والعدم، للوصول إلى القعر، إلى كلّ قعر، وخصوصاً قعر الحبر... لكن بدون ارتطام عبثي.
"الملحق" ليس منذوراً لحرية اليأس، أو للدروس في الأمل، ولا فقط للجدية، والرصانة، والبحث، والتأمل. هو منذورٌ أيضاً لمجانيات النزق المعربِد. للمقامرة. للاغتسال المحرِق. للنهب الأبيض الرطب اللذيذ، حيث تستطيع اللغة أن تتواقح، وتتعربد، وتمارس فجور حريتها، عاريةً من ثياب التحفظات الكاذبة.
بعد قليل، قد لا يبقى ثمة عمرٌ يتيح لذوي (وذوات) النزوات الأدبية الوقحة، أن يشربوا غيوماً عطشى، أو أن يلعبوا في ليل الكلمات لعبة قطّاع طرق الرغبة والشهوة والشبق. ها هنا، ابتداءً من هذه اللحظة، ثمة مكانٌ شاسع لـ"قطّاع الطرق" هؤلاء، شرط أن يكونوا مدجّجين بدهاء الثعالب، ثعالب اللغة، لئلاّ يقعوا في الفخاخ السهلة المنصوبة. ما أكثرها!
لتلك القارئة أقول: فخِّخي الطرق، من ها هنا، واقطعيها، لينقطع دابر قوّادي الأمر الواقع، وسارقي البلاد والعباد، ثمّ "تواقحي" ما شئتِ على ضجر الحياة والصفحات، وخذيها رهائن، إذا شئتِ واستطعتِ، لعلّها تتحرّر معكِ من عبء اليأس، كما يتحرّر ماجنٌ فوق حبر هاوية!

akl.awit@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard