كتاب - "لا طريق إلى الجنّة" لحسن داوود ملامح العزلة العنكبوتية لا توصل البتة إلى الجنّة

14 آب 2013 | 01:35

ما إن تبدأ بالثلث الأخير من رواية "لا طريق إلى الجنّة" لحسن داوود (دار الساقي)، حتى يتكشف مغزى الإيقاع الرتيب الذي يستفزّ حين تفتتح الرواية فصولَها بحكاية رجل يصف بالتفصيل الممل ساعة مغادرته المشفى، مستقلاً سيارته المتّسخة بصحبة فتى، هو ابن أخيه، ثم يروي الرحلة حتى وصوله إلى منزله حيث زوجته، وأبوه، وثلاثة من أطفاله. إيقاع رتيب تحيّر فيه التفاصيل الدقيقة التي تتقافز مرة وراء أخرى لتستولي على المشهد.

تحيل الرواية على علاقة رجال دين شيعة بمجتمعاتهم الحاضنة في مرحلة من مراحل تطوّرها أو تغيّرها الزمني، ربما مرّت في ستينات القرن الماضي أو سبعيناته وما قبل. تمضي بك صفحاتها في مستويات زمنيّة تجاري ذاكرة "السيّد" وتداعياته الذهنيّة. مستويات متعددة تصل في بعض لحظاتها إلى آل البيت. كما تتململ التفاصيل في مساحات جغرافيّة ضيّقة، لا تزيد حكايات النجف سوى مزيد من الضيق إلى ضيقها المناطقي اللبناني. إلا أنها في الحقيقة مستويات ومساحات تخصّ "السيّد" ذاته، البعيد عن متغيّرات عوالمه الخارجية، المحكوم بدواخله الجوّانية، ودواخل سلالة "السيّاد" التي انحدر منها، وإنْ قفزتْ صورة أخيه العابثة الهازئة من إطارها، ومدّت له لسانها كلّما شعر بمأزق المزاوجة بين تلك العوالم وهذه الدواخل.
تتوقّع حين تكتشف شيعيّة البطل، وكونه رجل دين معمّماً، أن تمضي بك الرواية إلى "حدّوتة لبنانية"، كالتي عرضتها روايات لبنانية أخرى تناولت المشهد اللبناني والعلاقات بين طوائفه ومكوّناته الاجتماعية. غير أن "السيّد" الذي لا يحب القراءة، ولا اللقاء بالناس من حوله، والذي يستسخف مآلات مهمة رجل الدين في بيئة غير مرحّبة، بيئةٍ تحتاجه بالكاد في إقرار الزيجات وفي مراسم العزاء، عاجزٌ حتى عن الاحتكاك بأبناء الضيعة من دون ظلّ أبيه، لا يستطيع سوى الحوار مع ذاته، فتتلخّص علاقته بهم بضربة أو ضربتين على الصدر تصاحب عبارة "السلام عليكم" التي قد لا تتجاوز الفجوة الكبيرة لتصل إلى مسامعهم أصلاً.
ثمّة علاقة لا أمل في تصحيحها بين "السيّد" وزوجته، المنهمكة في متابعة أشغال البيت وطيّ الملابس وتنظيف الصحون، الناسية أحياناً تنظيف وجوه أبنائها أو الاعتناء بصحتهم ونظافتهم، لكن الأقدر على تحديد متطلباتهم، وإن متأخّرة. هي بالأحرى جثمان علاقة ميتة تضغط على "السيّد" يجد منفذاً لها في منزل أخيه المرحوم، حيث الأرملة المشتهاة، والطفل الحيوي الذي يحتفل بأعياد ميلاده مع أقرانه.
إلى الابنة الصغيرة التي لم تكتمل ملامحها، تظلّ صورة ولديه اللذين لا يعرفان ماذا يفعلان، ولا يعرفان كيف يشعران، ولا حتى ما ينبغي لهما أن يشعرا به، مؤلمةً ملحّةً عالقةً في ذهن القارئ من اللحظة الأولى لحضورهما. طفلان أبكمان أصمّان، لم يستوعبهما أصدقاؤهما من أبناء الضيعة، ولا مدرسة الصمّ والبكم الداخليّة البيروتية، فاستسلما لقدرهما من غير قرار، في الانضواء في دروس يقدّمها "الحزب" المتسلل إلى الجوامع.
لم يستطع "السيّد" عبور منفذ زوجة أخيه حتى خواتيمه. وعلى الرغم من أن المنفذ كان مشرعاً، إلا أن رحلة النفوذ من خلاله كانت "فاشلة"، إلا من ذكريات ثدي يفيض حجمه على قبضة الكف.
قد تتساءل في منتصف الرواية عن تاريخانيتها، وعلاقتها بأجواء الحرب في لبنان. لا شيء يشي بذلك، كأن الكاتب يترك للقارئ التخمين من خلال الفجوة الكبيرة التي حكمت علاقة "السيد" ببيئته فكانت المعبر السهل الذي تسلل من خلاله أعضاء "الحزب" إلى الجامع، قبل أن يضعوا طاولتهم ويستقطبوا أولاد الضيعة إليهم، ليستحوذوا في ما بعد على تركة "السيّد الوالد" المرحوم: مكتبته، لا يذكر البطل أن أباه عاد إليها يوماً. لم يتخذ الاستحواذ شكل استيلاء قسري مفضوح، ولا شكل استسلام عارٍ، بل كان انسحاباً متخاذلاً، وتسليماً بواقع الحال، وتفكيراً بالهروب إلى الخلف مع ابنيه الأخرسين، صوب قرية نائية، على حافّة العالم.
يخيط الكاتب بهدوء وتؤدة رسم ملامح العزلة العنكبوتية لهذا "السيّد" الذي لم يعرف ما هي الأعضاء التي أزيلت منه في المستشفى، وكأنه لم يكن حتى قادراً على الاستفسار عنها، فاستسلم لنصيبه الذي جعل يتحرّاه بمدى شغفه بربلتي أرملة أخيه، وقدرته على الدوس على دعاسات البنزين في سيارته التي لم تزد من رحابة المجال الذي يتحرك فيه البطل، بل ضيقته، حتى لتكاد تصبح هذه السيارة ثوبه أو عباءته الثانية، التي يرتديها مع عمامته.
تقول النبذة التي قدّمتها "دار الساقي" إنّه "قرّر أن يخلع عنه جبّته وعمامته. هكذا من دون أن يعرف كيف سيكون بعد ذلك وماذا سيفعل. هل هو موت والده الذي حرّره؟ هل هي إصابته بمرض السرطان وخوفه على حياته؟ أم ملله من البيت ومن زوجته ومن ذهابه إلى الجامع؟ أم رغبته الجامحة في امرأة أخيه المتوفّى؟ لا ينبغي له أن يتردّد، أو يؤجّل. فذلك سيبقيه حيث هو، وكما هو، ماكثاً في غرفته، لا شيء يفعله إلا انتظاره للشمس يتقدّم خطّها على البلاط تحته".
تُرى هل تخلّى رجال الدين الشيعة عن دورهم، شبه مكرهين، قضاءً وقدراً، لذلك الحزب الذي سحب البساط من تحتهم وسدّ فراغاً تركوه؟ تتراءى في الرواية ملامح علاقة بين خصوصية "السيّد" وعموم حال رجال دين الطائفة. لا يقدّم الكاتب ما يشي بأن ذلك "السيّد" سيتخلّص من تردده. الخطوة الوحيدة التي استطاع أن يخطوها من دون تردد أو دفع هي تقديم مسبحته لصديقه، بعدما حفظ خط الرجعة عن مغازيها، بأن أكّد أن ثمّة الكثير منها لديه.
"لا طريق إلى الجنّة"، رواية تجنح إلى الرصد النفسي لحالة الإيغال في العجز الإنساني، لكنّها تُخرجك للحظات تطلّ خلالها على صورة كلّيانيّة ينقشها حسن داوود لأفق مسدود يستمدّ لونه من لون عمامة "السيّد".
رواية تحبّها حين تبني علاقة معها ومع شخصياتها وخصوصياتهم. هي لا تصلح للقراءة قبيل النوم. تمضي صفحاتها كحبّات المسبحة، وتمضي لحظات الدفع العاطفي فيها كحبات "الشواهد"، فيتجلّى لك في الصفحات الأخيرة منها أن الإيقاع الذي ظننته رتيباً، والتفاصيل التي حسبتَها مملة في البداية، والتي كانت تتناول أحياناً تفاصيل حركة الأصابع، أو العيون، أو ما كان ينوي الرجل أن يقول وما قال بالفعل، ما كان ينتظر سماعه وما سمعه بالفعل، جميعها، كانت جزءاً أساسياً من مهارة الكاتب، من حبكته، من تصويره المرئي ومونتاجه وإخراجه، من أدواته التي نقلتك من مطرحك لتضعك حيث تصبح شاهد عيان على عالم من الخواء، تتشوّق لأن تعرف مآلاته، فلا تُفلح. غير أنك تعرف سلفاً، أنها مآلات لا تمضي بصاحبها "السيّد" إلى أيّ جنّة.

 كاتب سوري

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard