واقع مؤسسات التعليم العالي في لبنان بين التراخيص والتزام القانون - ضبط الجودة وإزالة المخالفات يتطلبان تشريعات وبناء قدرات أكاديمية

14 آب 2013 | 01:17

جامعة القديس يوسف من أقدم الجامعات في لبنان.

أدى التعليم العالي الخاص، الذي بدأت طلائعه في لبنان، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، دوراً أساسياً في بناء العقل الوطني وتخريج الأجيال، التي من بينها، تشكلت، قبل إنشاء الجامعة اللبنانية، الكادرات الإدارية والتربوية والقضائية والعسكرية في بنية الدولة اللبنانية ناهيك بدورها في إمداد القطاع الخاص بالكفاءات المعرفية والفنية والعلمية.

وبعيداً من الخوض في الشروط السياسية والثقافية والتاريخية التي حكمت ولادة الجامعات الخاصة في لبنان، وهو موضوع له ظرفه ومجاله، فإن بدايات التأسيس كانت مع الجامعة الأميركية سنة 1866، جامعة القديس يوسف سنة 1875، المعهد العالي للحقوق (الحكمة) سنة 1875، ثم توالى إنشاء مؤسسات التعليم العالي، بينها الجامعة اللبنانية سنة 1953، حتى بلغ عددها إحدى وأربعين مؤسسة معترف بها من الدولة، وهي موزعة على الشكل الآتي: الجامعة اللبنانية (جامعة رسمية)، سبع عشرة جامعة خاصة، ثمانية عشر معهداً جامعياً، خمسة معاهد جامعية للتكنولوجيا، تسدي، كلها التعليم وتمنح الشهادات بما يقارب الـ 150 تخصصاً وتستقبل من الطلاب عدداً يقارب الـ 135000، نصفهم ينتسب الى الجامعة اللبنانية، والنصف الباقي موزع على سائر الجامعات بنسب متفاوتة، لعل أعلاها في الجامعة العربية، ثم جامعة القديس يوسف، والجامعة الأميركية، وجامعة الروح القدس... تتبع هذه المؤسسات بغالبيتها في التدريس نظام الأرصدة وتمنح شهادات الإجازة (B+3) الماستر أو الدبلوم (B+5) والدكتوراه (B+8).
واقع المؤسسات والتشريعات القائمة
إن إشكالية العلاقة بين النص والواقع، ترخي بثقلها على مؤسسات التعليم العالي الخاص وعلاقتها بالنصوص التشريعية المنظمة لها. تعمل وزارة التربية والتعليم العالي، المعنية بشؤون هذا القطاع، بحكم سلطة الوصاية، على مراقبة مدى التزام هذه المؤسسات الأحكام الواردة في هذه النصوص، حرصاً على ضبط جودة التعليم، تأميناً لمصلحة الطلاب باعتبارها مسؤولية وطنية. إن في إغفالها، إهمال للشروط المعرفية والعلمية المؤسسة لمجتمع المعرفة ولمسالك التنمية والتطوير.
وأعطى القرار رقم 49 الصادر عن مجلس الوزراء بتاريخ 9/10/2003 الضوء الأخضر لاعتماد مبدأ التدقيق في مؤسسات التعليم العالي المرخصة للتحقق من تنفيذها للمعايير التي نصت عليها القوانين المرعية الإجراء، وذلك بغية ضبط الجودة في هذا القطاع، وقد كلفت هيئات دولية متخصصة للقيام بهذه المهمة.
وتابعت وزارة التربية والتعليم العالي، في عام 2010 فتح هذا الملف بغية التحقق من الاوضاع القانونية لهذه المؤسسات، والاطلاع على مدى ملاءمة الجوانب المادية والادارية والاكاديمية للشروط التي تفرضها القوانين. فكان أن رفع المدير العام للتعليم العالي جدولاً يبين فيه الوضع القانوني لكل فرع من الفروع الجغرافية التابعة لمؤسسات التعليم العالي الخاص وجدولاً آخر يشير فيه الى المؤسسات التي تعهدت باقفال فروع جغرافية تابعة لها مع تحديد تواريخ الاقفال وجدولاً يتضمن المؤسسات التي استحدثت فروعاً بعدما تعهدت باقفال ما كان قائماً، ومؤسسات أخرى استحدثت فروعاً بعد صدور التعميم بضرورة الحصول على ترخيص لفتح فرع جغرافي.
وكان من طبيعة هذه الخطوة أن تكشف عن حقيقة هذه المؤسسات، وتحض المسؤولين على وضع آليات للتحقق من أوضاعها والتدقيق في مدى احترامها للمستلزمات التي يفرضها القانون، تمهيداً لاتخاذ التدابير المناسبة. لكن تعطيل الاحكام واعمالها يستدعي الارتكاز على تقارير صادرة عن اللجنة الفنية، ولجان فرعية تعاونها، تبين بدقة وموضوعية الاوضاع الحقيقية لهذه الفروع.
لكن عملية ضبط الجودة في مؤسسات التعليم العالي الخاص، باعتبارها عملية مستمرة، تستدعي تطويراً في التشريعات المنظمة لهذا القطاع. فكان لا بد من اعادة النظر في قانون تنظيم التعليم العالي الصادر العام 1961، الذي بات، على أهميته، غير قادر على تغطية التوسع الذي حدث في هذا القطاع على مدى العقدين المنصرمين. لذلك عمدت وزارة التربية والتعليم العالي الى وضع مشروع قانون جديد، أقره مجلس الوزراء بتاريخ 14/ 12/ 2010 وأحاله الى مجلس النواب، يوفر الشروط الأكاديمية لتعليم عال، يرقى في مستواه، الى مصاف التعليم في جامعات الدول المتقدمة.
لقد اعاد مشروع القانون هذا، النظر في بنية مجلس التعليم العالي بحيث تمثلت فيه الجامعات الخاصة في شكل موضوعي ومتوازن، وتجلى فيه الحرص على تحديد أنواع مؤسسات التعليم العالي وتنظيم افراد الهيئة التعليمية فيها، وتأمين حقوقها وحقوق الطلاب لجهة العقود والضمانات الصحية وغيرها. كما نص على اطر جديدة لادارة مؤسسات التعليم العالي، وأدرج نظم ضمان الجودة في عملها، ونظم الاعتراف بالدراسات والشهادات التي تمنحها بعد تحديدها، وفرض تعزيز البحث العلمي من خلال تخصيص نسبة معينة من موازنة المؤسسة لهذا الغرض.
إن قطاع التعليم العالي الخاص هو كسائر القطاعات، تؤدي فيه العوامل الطائفية والمذهبية والسياسية والنفعية دوراً فاعلاً، والكثير من مؤسسات التعليم العالي الخاصة، تمتلكها او تديرها جهات عندها من النفوذ الذي تجتمع فيه هذه العوامل او بعضها، ما يغطي مخالفاتها، ويسمح لها بالتجرؤ على القانون والافصاح عن ارتكاباتها بصوت عال واستعلاء منفر. أليس هذا ما يحصل، عندما يقطع النص القانوني بوجوب الحصول على ترخيص لفرع جغرافي او لتخصص معين قبل فتحه، وتقدم بعض المؤسسات على الخطوتين معاً او واحدة منهما، ضاربة بعرض الحائط ارادة المشروع على خلفية النفوذ الذي يتمتع به اصحابها، وقدرتهم على تعطيل دور السلطات الرسمية المعنية في اتخاذ التدابير والاجراءات التي يفرضها القانون؟
واذا كان ضبط جودة التعليم في مؤسسات التعليم العالي، بالمعنى المشار اليه، يقع أساساً على عاتق الجهات الرسمية المعنية فان ضمان جودة التعليم يبقى في شكل أساسي من مسؤولية المؤسسة نفسها، فهي المعنية بصورة مباشرة بمراقبة ادائها الاداري والاكاديمي، والاجتهاد في سبيل تحسينه وتطويره، وذلك باعتماد مبدأ التقييم الذاتي او الداخلي، الذي يقوم على تفحص المؤسسة للسياسات والآليات المعتمدة فيها عموماً، او في احد برامجها، بغية التأكد من مدى نجاحها في توفير تعليم يتمتع بمواصفات ومعايير، تلقى اجتماعاً عاماً وصدقية موثوقة على الصعيد العالمي.

 استاذ جامعي ومستشار سابق في وزارة التربية

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard