نصري عكاوي كشف بانتحاره مأساة شرفاء الصحافة انتظر طويلاً تعويضاً لم يأتِ وفضّل ختاماً لحياته على مدّ اليد

13 آب 2013 | 00:00

"كنت أتوقع أن ينتحر. واجه الرجل الشريف والنظيف الكفّ استحقاقات هائلة وشعر بالعجز حيالها. كان مرتقبا أن يؤذي نفسه، وأن تنتهي حياته على هذا النحو"، يقول الصحافي انطوان الشدياق احد أصدقاء نصري عكاوي، تعليقا على خبر وفاته انتحارا، قبل أيام عدة. رمى عكاوي بنفسه من الطبقة السابعة في المبنى حيث يقيم في سد البوشرية، بعد أكثر من أربعين عاماً من العمل في مهنة الصحافة. يشعر الشدياق بالأسى ويزيد: "انا حزين على نصري وعلى الأحياء الباقين العاملين في الصحافة، مهنة الموت البطيء، وعلى نفسي أيضا".

يخبر رئيس تحرير جريدة "البيرق" سابقا انطوان الشدياق ان عكاوي، الناقد الظريف والخجول مات من شدّة الفقر وهو يناهز السبعين، مترفعاً عن طلب المساعدة حتى من القريبين منه. الكلمات بسيطة لكنها تقول الكثير في شأن صديقه ورفيق الدرب الصحافية. في رصيد عكاوي تجارب مهنية عدة، فقبل نحو عقدين أصدر مجلة رياضية ثم عمل الى جانب الشدياق في مجلة "المسؤول" الإقتصادية الأسبوعية خلال عامين قبل توقفها، وبعد ذلك التحق بالـ "الحوادث" كناقد فني صوب نهاية حياته.

قضى عكاوي عن عمر يناهز السبعين، أي انه مارس الصحافة نحو أربعة عقود ولم يجمع أي قرش ولم تحمه نقابة أو تساعده أي جهة. كانت حاله كحال جميع زملائه في "دار الف ليلة وليلة" الذين أوقفوا عن العمل ولم يتقاضوا تعويضاتهم. ويتابع الشدياق: "كان ثائر كرم نجل النقيب الراحل ملحم كرم، يمنح عكاوي مبلغا شهريا على ان يحتسب من قيمة تعويضه المعلق من "الحوادث". وعندما نسأله عن سبب انتحاره يؤكد انه العوز. لطالما وقفت الحياة ضد عكاوي، غير انه لم يكن ليطلب أي قرش، لأنه شهم، ولا يسعه الاستجداء بحسب الشدياق. يضيف: "زادت في الوضع سوءا اصابة شقيقته التي أقامت معه بحال اكتئاب ولم يكن يملك المال لإدخالها المستشفى أو يؤمن لها الأدوية. لم ينتسب عكاوي الى نقابة المحررين وهي في اي حال لم تحرك ساكنا لمساعدة الصحافي المعروف في مجاله. ربطتني به علاقة صداقة، وقد طلب مرة مني ان أسعى الى ادخاله نقابة المحررين غير ان الأمر تعذر لعدم نيله الإجازات المطلوبة. كانت لعكاوي صلات بكبار الفنانين والفنانات، وكان نقده بناء".
التحق الصحافي عكاوي بدار الف ليلة وليلة" التي كانت تصدر مطبوعات عدة، وكانت تنشر له أحيانا مقالات في صحيفة "البيرق". يعود آخر لقاء للشدياق بعكاوي الى نحو أربعة أشهر وكان يعاني ورما في قدميه، يضاف الى شكواه من تضخم في القلب. منذ عامين ونصف العام ولا تزال مسألة تعويضات "دار ألف ليلة وليلة" عالقة في القضاء من دون أن يبتها، على ما يوضح الشدياق، في حين ان ملحم كرم صاحب الدار الراحل كان نقيبا للمحررين أي مسؤولا عنهم، في المبدأ.
يحمل الصحافي هموم الناس عادة، حين ان الصحافي عكاوي لم يجد من يسعفه في أزمته، فكيف يقارب الشدياق هذا الواقع؟ يجيب "ليس هناك ضمير مهني في مجالنا. لا ضمان صحي او صندوق تعاضد. في الصحافة اللبنانية نحو مئة قريبا، هم صورة عن نصري عكاوي. هؤلاء بلغوا سن التقاعد ويحتاجون الى مدّ اليد لهم لتسيير أمورهم المعيشية، ومن بينهم صحافيون في الجدول النقابي. لكن الانتساب لا يشكل فرقا ملموسا، فالنتيجة واحدة ويا للأسف. نقابتا الصحافة والمحررين مسؤولتان عما جرى لنا نحن العاملين في "دار الف ليلة وليلة" ونشكل نحو ثلاثمئة عائلة ألقيت في الطريق من دون سؤال، ومن دون أن يدفع لأحد قرش. بينما تستمر المفاوضات لاقناعنا بالتنازل عن جزء من مستحقاتنا. انها مأساة انسانية حقيقية".

عون: غياب الدولة
هل تبدل حادثة انتحار عكاوي وضع الصحافيين في لبنان مستقبلا وتدفع بالنقابتين الى التعجيل في بتّ تعديلات قانونية تضمن عدم تكرار هذه المأساة؟
ينتقد نقيب المحررين الياس عون كل من يقول إن نصري عكاوي "لم يكن منتسباً إلى النقابة لأنه كان من الطراز الأول في مهنة البحث عن المتاعب"، وهو يرد مسألة دفع التعويضات لعكاوي وزملائه إلى ورثة النقيب الراحل ملحم كرم. في جعبة النقيب عون الكثير من المشاريع التي تضمن حقوق الصحافيين، "لكن ظروف البلد تمنعنا من إنجاز أي خطة بفعل غياب الدولة". عندما سألناه عن تقاعس نقابة المحررين عن تقديم الخدمات لمنتسبيها اسوة بنقابتي المهندسين والأطباء وغيرهما، أجاب: "صحيح أن نقابتنا مقصّرة حيال أعضائها لكن السبب هو المردود المالي الضئيل، فالمنتسبون بالكاد يسددون اشتراكهم السنوي الذي يبلغ 50 الف ليرة". ويُذكّر عون بصندوق التعاضد الذي انشئ عام 2008 وأقفل لعدم التزام الغالبية تسديد المبالغ المترتبة عليهم".
يحفر النقيب عون في التراب كي ينجز شيئاً ما، على ما يقول، ويضيف: "سبق ان تقدمّت بمشروع إلى مجلس الوزراء يقضي بمعاملتنا اسوة بالقضاة. كما أسعى مع الدولة إلى الحصول على أرض لنبني مركزا للنقابة يمكننا الإفادة منه مادياً، وذلك من خلال تأجير طبقات منه، ولكن مع الأسف كل شيء مجمد حتى الان".

nicole.tohme@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard