السرقة الموصوفة للثورة السورية

13 آب 2013 | 00:00

(أرشيف "النهار")

على هامش القصف والتشريد والتدمير والقتل اليومي الذي يصيب المدنيين في انحاء عدة من الوطن السوري، والذي تقوم به قوات عسكرية وشبه عسكرية سعيا وراء الاحتفاظ بالسلطة وتدمير ما تبقى من نسيج مجتمعي وتوافق وطني، تشتعل جبهات عدة بعيدا عن أهداف الشعب السوري التي كانت حجر الأساس في تحفيزه على التظاهر وكسر عقدة الخوف والمطالبة بحقوقه الأساسية التي ظل محروما منها عقودا خمسة.

فمن جهة، تصطدم مجموعة مسلحة "دينية"، هجينة المنبت العقائدي وغير واضحة الهوية الوطنية، مع مجموعة مسلحة كردية الهوية تحاول السيطرة على الشارع الكردي وترهبه بقوة السلاح محتفظة بشبكة علاقات معقدة ومتناقضة مع قوى الثورة ومع النظام القائم. وبالطبع، فالمدنيون هم الضحايا ولا أحد، حتى إشعار آخر، يأخذ في الاعتبار هذا المكون البشري
في المقتلة السورية بكل أبعادها.
ومن جهة أخرى، تسيطر المجموعة "الدينية" نفسها، أو فروعها، على بعض المدن والبلدات التي خرجت عن سطوة النظام محاولة فرض قواعدها التشريعية المستمدة من قراءة منقوصة ومغلوطة للنصوص الشرعية. وتسعى من خلال ذلك الى خلق بؤر سيطرة سياسية ومجتمعية بعيدة لسنوات ضوئية عن غايات وأهداف قوى الثورة السورية.
أضف إلى ذلك، فإن "شجاعة" هذه المجموعة تتجسد في الاعتداءات المتلاحقة على المدنيين أو اعتقال المكون المدني في المجالس المحلية المنتخبة أو في تجريد قوى الجيش الحر من اسلحتها واخضاعها. أما مواجهة السلطة، فهي مهمة ليست من أولوياتها، فعلى المكون المدني الديموقراطي وقوى الجيش الحر أن تقوم بهذه المهمة، لتأتي قوى الظلام والظلم لتأخذ القيادة باسم ما تجهل.
في هذه الأثناء، يدفع الشعب السوري بكل مكوناته الثمن البشري الأعلى ويبحث عن بصيص أمل في قوى المعارضة السياسية التي ما زال تخبطها هو عنوان المرحلة :
فمن مكونات تقليدية هلامية الموقف والتصريح والفعل تبحث عن استرجاع دور ما اعتقدت لوهلة بأنها امتلكته في ماضيها. إلى مكونات عقائدية تعارض كل توافق على خط سياسي موحد يصل بهذه الثورة إلى شاطئ الأمان، وذلك بالتوافق مع عقيدة ترسخت في ذهنية زعيمها الأبدي والتي لا تقبل أي تطوير أو نقاش. إلى جماعة دينية تتسم بالاعتدال حتى يثبت العكس، فقدت شرعيتها المجتمعية في زمن ماض وتبحث عن استرجاعها بكل السبل معتمدة على برغماتية سياسية مقلقة. إلى جماعات مستقلة تنظر إلى سوريتها في معزل عن الواقع مُسقطة عليها نظريات مثالية تستند إلى قراءات نخبوية... إلخ.
وفي هذه المعمعة السياسية، يحاول ائتلاف وطني أن يجمع الأضداد معانيا من "صبيانية" بعض أعضائه، والأمراض النفسية لآخرين، أو الارتباطات الخارجية أو المصالح الشخصية، والتي هي ليست بالضرورة في تعارض مع أهداف الثورة القائمة ولكنها بالتأكيد مضرة بالتوافق والاتفاق.
في هذا الضباب النتن المسيطر على أجواء هذا الوطن الضحية، تمتد أذرع الجماعات المسلحة المرتدة عن أي دين، لأن نعتها بالتشدد الديني فقط فيه دفاع غير مقصود عما تحمله من أجندات غريبة عن المجتمع السوري وعن عقائده المتسامحة والمنفتحة، والتي لا تحتاج في نضجها وتطورها لجهلاء القرن الحادي والعشرين الذين تربوا في أقبية متعددة المشرب والذين استُخدموا من قبل انظمة عدة حينما اشتدت الحاجة لهم في وقت من الأوقات.
تتكاتف جهود اولئك مع جهود النظام في السعي إلى اسكات الصوت الحر. فليس من المستغرب أن تتم ملاحقة رموز الحراك المدني في مناطق سيطرة النظام، بالتوافق مع سعي هذه المجموعات المرتدة إلى اسكات كل صوت يختلف عنها أو ينتقد خطواتها التدميرية للمجتمع السوري. وليس من المستغرب أنها تبتعد شيئا فشيئا عن مؤازرة المقاومة المدنية والعسكرية، وتعقد الصفقات المشبوهة نفطيا وقمحيا.
تتطور الأمور في اتجاه خطير ومقلق. رغم أن هذا كان متوقعا بالاستناد إلى معايير التحليل المنطقي لتفاقم المقتلة السورية وسعي النظام لتنفيذ سيناريو "إما أنا أو الطوفان"، وعجز ما يسمى بالمجتمع الدولي عن إيقاف حمام الدم المتدفق من شرايين السوريين، وضعف المسؤولية الوطنية لدى بعض المعارضة السورية مقابل تفاقم العقدة "الأنوية" المتقيحة، وتطور الخطاب الجاهلي المعتمد على مفاهيم مشوهة للدين الإسلامي والمستند إلى مرجعيات لا ناقة لها ولا جمل في العلم الديني. السوريون قلقون من السرقة الموصوفة الجارية أمامهم لثورتهم بالتعاون بين الجاني الأول وتفرعاته.

أستاذ جامعي في باريس

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard