معرض إدغار مازجي لدى "غاليري آرت أون 56" بطاقة دعوة أخاذة إلى قصص غير محكية

4 نيسان 2017 | 00:00

في معرضه المقام لدى "غاليري آرت أون 56"، يطرق إدغار مازجي أبواباً عديدة. أطلق على المعرض تسمية "قصص غير محكية"، كأنه أراد البوح بما يختلج في نفسه من مشاعر وإنطباعات دفينة تدل عليها، ولو مجازياً، التسميات التي أطلقها على أعماله: "قصة حب"، "عطلة خاصة"، "لون الأحاسيس"، "زبد الأيام"، وسواها من تسميات أخرى.

تشير العناوين المذكورة، كما نعتقد، إلى حالات حياتية مر بها الفنان، أو تصوّرها على الأرجح، لكون الفن التشكيلي لا يعمد، من الناحية العملية وكما تفيد التجارب، إلى تصوير مواقف معيشة في المعنى الحرفي، بقدر سعيه إلى تحوير الحدث وترميزه بما يتناسب مع الهدف التصويري. هكذا، يمكن معاينة جملة من الموضوعات في المعرض: قامات بشرية في مواقف مختلفة، مشاهد طبيعية، وأعمال أخرى تجتمع فيها عناصر عدة تجمع ما بين التيمتين المذكورتين. أوضاع القامات البشرية قد تشير أحياناً إلى فعل معيّن يندرج ضمن موقف محدد، وقد لا تخرج أفعالها عن دائرة التأمل والتفاعل مع المحيط، أو مع شخصيات اللوحة الأخرى، من دون أن تكون الإنعكاسات التشكيلية الواردة ذات منحى شديد الواقعية. كأنّ هذه الشخصيات، عبر تمثيلها الوارد، تقع في المكان الوسطي بين إلتزام الشكل الإنساني، ضمن حدوده التي تميّزه عن سواه، وبين إهمال التفاصيل الدقيقة سعياً إلى تحوير مدروس يحدد هذا الشكل من دون الخوض في تفاصيله. على هذا الأساس، تتخذ الأعمال وجهة تعبيرية، مع الأخذ في الإعتبار الفوارق الفاصلة بين ما نراه وبين الإتجاه التعبيري القاسي والإنفعالي الذي أرست قواعده، إلى حد ما، التعبيرية الألمانية، التي ظهرت في حينها ضمن ظروف إجتماعية وإقتصادية مختلفة. فوسائل التعبير، لدى مازجي، تحمل كماً من الأحاسيس ما يمنحها صفة ذاتية، أكثر من إلتزامها الحرفي لهذه المدرسة أو تلك.
تغيب التفاصيل، أيضاً، عن المشاهد الطبيعية، إلى درجة أن بعضها يمكن مقارنته بالدراسات الأوليّة التي كان يقوم بها فنانو العقود، أو القرون الماضية تمهيداً لتنفيذ أعمال كاملة الجهوزية تحاكي المنظر الطبيعي من دون مواربة. هذه الجهوزية المكتملة في محاكاة الطبيعة تغيب عن أعمال مازجي في شكل مقصود، لذا يبدو بعضها ذا طابع عفوي، كأن الإنفعال، المذكور آنفاً، يلقى صدى أكثر وضوحاً في هذه الحال، فتحل ضربات الريشة العريضة محل التحديد الدقيق للعناصر، لتصبح اللوحة عبارة عن تقابل بين مساحات لونية، يصاحبه بعض التشفيف في إستعمال اللون، ما يساعد على تظهير بقع غير مشبعة، وما يساعد، أيضاً، على خلق تفاعلات بصرية، وخصوصاً لدى تجاور هذه البقع مع مساحات أخرى تختلف عنها من حيث القيمة اللونيّة. هذا الأسلوب لم يكن مقتصراً على المشهد الطبيعي، بل ينسحب كذلك على أعمال كثيرة، إذ يبدو أن الضربات العريضة، المعقودة على رؤية شاملة للعمل، تقع في صلب التقنية التي ينتهجها مازجي.
هذا الأمر، الذي ينفي من الناحية العملية تتبع تفاصيل الواقع، والذي يترك إنطباعاً لدى المتلقي بكون العمل قد توقف عمداً عند مرحلة معينة من المعالجة، يشي بنزعة ما نحو التجريد، ولو في بعض المواقع، كما في الأعمال المسمّاة "زيغ زاغ"، "صديقي بيرو" أو "بطاقة عودة"، حيث لا يعود التطابق قائماً ما بين التسمية والمحتوى، ولا تعود التسمية سوى مسألة شكلية، لا تتاسب حكماً مع المتن إلاّ من خلال إشارات غير مباشرة. لذا، وفي حالات كهذه، لا يجب البحث عن المعاني المباشرة لهذا المقطع أو ذاك، بقدر العودة إلى المفهوم العام للعمل، الذي يبدو أنه يكتسب أهمية مفصلية لدى الفنان.

فنان وناقد وأستاذ جامعي.

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard