زكّاك والعسري في "أيّام بيروت السينمائية": الماضي حاضراً

23 آذار 2017 | 00:00

"يا عمري" لهادي زكّاك.

مخرجان بارزان كلّ في مجاله، هما اللبناني هادي زكّاك والمغربي هشام العسري، شاركا في الدورة التاسعة لـ"أيّام بيروت السينمائية" التي تُختتم مساء الغد بفيلم "مولانا" لمجدي أحمد علي (الذي لم تسمح الرقابة بعرضه كاملاً حتى هذه اللحظة) بعملين يترجّحان بين الماضي والحاضر.

هادي زكّاك كما كتبنا عنه سابقاً خلال مشاركته في مهرجان دبي السينمائي، أحد أبرع المخرجين الوثائقيين في لبنان والعالم العربي. لم يعد في حاجة إلى شهادة من أحد. جديده، "يا عمري"، وثائقي مفعم بالانسانية. ما يصوّره هنا هو جدته التي تجاوزت المئة من العمر (توفيت منذ تصوير الفيلم). إنها هنرييت التي عبرت الجزء الأكبر من القرن العشرين، هي التي انتقلت من ريو دي جانيرو إلى لبنان وعاصرت أهم محطات التاريخ اللبناني الحديث. هاجرت إلى البرازيل ثم عادت، تزوجت ورزقت بأطفال، لكن العودة جعلتها نادمة. لا حكاية كبيرة خلف هنرييت، وهذا ما يجعل منها كائناً مثل سائر الكائنات الذين لا يمسكون بمصائرهم، بل هم ضحية الظروف التي يجدون فيها أنفسهم. ما يصوّره زكّاك بحساسية مدركة وذكاء حاد في التقاط آثار الشيخوخة على مسامات الجلد المترهل، يشبه حكايات الكثير من أسلافنا الذين حملتهم الأوضاع في هذا الشرق البائس إلى البحث عن مكان أفضل للعيش. يتبين هنا ان المكان الأفضل كي تصمد الذكريات أمام ثقل الأيام والنسيان هو عين الشخص التي تمرّ حياته أمامه كشريط صامت، كذلك المشهد حيث تشاهد هنرييت فيديو لريو دي جانيرو فتنعكس فيه صورتها. يدخل المخرج إلى الفيلم، ولكن ما من لحظة يسرقها من موضوعه الأساسي، تلك الجدة المحبوبة من الذين حولها، ولكن بات صعبا عليها التعرف إليهم بسهولة. حتى المخرج عليه أن يعرّف عن نفسه في كلّ مرة، في كلّ مرة يعود إلى ذلك الشاليه الضيق حيث تقيم هذه السيدة الجميلة مع خادمتها. صوّر زكّاك جدّته على فترات متقطعة، وهذا واضح في الفيلم، هناك مقابلات أجراها معها عندما كان شاباً يافعاً. الربط بين مختلف مراحل حياة هنرييت يقول الكثير عن تشرذمنا والخلل في بناء حياة سليمة في لبنان. جمالياً، يستوفي الفيلم كلّ شروط الفيلم الوثائقي الابداعي الذي يولد من العلاقة الحميمية بين المصوِّر والمصوَّر. ثمة دفء وحنان يغرقان عيني المتلقي في الدموع. مشاهدة هنرييت تتيح أيضاً بعض لحظات بهجة وضحك، وكذلك جولة على الذاكرة الجمعية التي يعاد احياؤها على لسان ستّ لم يعد لها أي اهتمام بصورتها ولا يربطها بالعالم أي مصلحة أو علاقة اغراء. يقول زكّاك ان الفيلم الوثائقي هو بالنسة اليه عرفان للشخصيات التي أحبّها وعاش معها أو بينها. مسافته القريبة من الشخصية الأساسية، لم تكن دائماً لمصلحته، إذ انه بحسب اعترافه أمضى ثلاث سنوات ليتمكّن من إتمام الفيلم ويضع جانباً كلّ العاطفة التي تربطه بجدته. كانت المقابلات كلها جاهزة، إلا أنه لم يكن مستعداً عاطفياً لخوض تجربة المونتاج الذي تطلّب منه احياء الشخصية و"قتلها" مئة مرة، وهو إحساس قد يكون من الصعب تحمله.
■ ■ ■
في "جوّع كلبك" الذي سبق أن عُرض في برلين وتورونتو، يتصدى هشام العسري إلى أحد رموز النظام الأمني وممارساته في سنوات الرصاص التي مضت بثقل شديد على الجميع، بينما لا يزال حاضر البلد ومستقبله في مهبّ الغموض. في حوار مع سعيد المزواري نشرته "النهار"، شرح العسري: "عندما بدأتُ بالإشتغال على "جوّع كلبك"، كنت أرغبُ في فعل شيئين: أن أنجز فيلمي الأكثر راديكالية، لأنني كنت أرغب في ختم فترتي التجريبية التي بدأتها مع "النهاية" واستمرت في الأفلام التالية. وأردتُ أيضاً أن أنجز فيلماً يذهب إلى نقطة وصوله. كتبتُ السيناريو مثل مسرحية بوحدة الزمان والمكان مع استجلاب للواقع. في الحقيقة، لا يمكن أن تفهم البصري فعلاً إذا لم تكن مغربياً ممن عاشوا الثمانينات، أو لا يمكن في أي حال أن تفهم التحدي الفعلي وراء الفيلم. لكن في الوقت نفسه، أنا أنجز سينما ولا أنجز أرشيفاً للتاريخ. في الحقيقة، حضرت القصة في مرحلتين. في البداية، أردتُ أن أحكي قصة مشذبة. الفيلم بالنسبة لي عن شخص يعاني وسيسعى إلى الكشف عن شيء ما ليستريح. هكذا سيسقط في سيل لفظي يدور في حلقة مفرغة. ثم نفهم أنه كان فقط يكسب الوقت، لأنه يعرف جيداً كيف سينتهي الأمر. هل يتعلق الأمر بانتحار أو بشخص يسعى إلى أن يكون شهيداً؟ تدريجاً، كنتُ أحتاج إلى نوع من الباطنية المقلقة. مهم جداً أن الفيلم يدور في لا ديكور يتجسّد في استوديو التصوير الذي يعبّر عن الدرجة صفر للواقع. استوديو يكاد يكون خالياً من أي ديكور، ما عدا اكسسوارات قليلة هنا وهنالك على سبيل الزينة. كنت في حاجة إلى قول شيء أساسي بالنسبة لي وهو أن الأمر يتعلّق بشخص يتحدّث عن الحاضر بصيغة الماضي وعن الماضي بصيغة الحاضر. وهكذا يجمع موجتين ليست لهما أي أهمية على الأرجح. كما عندما يغني النشيدين الليبيين".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard