ما غفل عنه تقرير هيومان رايتس واتش عن المحكمة العسكرية

21 آذار 2017 | 00:00

صدر حديثاً جداً عن منظمة حقوق الانسان هيومان رايتس واتش تقرير حول محاكمة المدنيين أمام المحكمة العسكرية في لبنان. وقد نشرت بعض الصحف خلاصة عنه. وكصديق قديم لهذه المنظمة ذات السمعة الدولية الواسعة، ولأنني من الذين كان لهم الحظ في الحصول على تكريم ودعم منها، وعلى ضوء خبرتي الشخصية كمحام في عدد كبير من القضايا ضد مدنيين امام المحكمة العسكرية، ومنها قضية ملاحقتي شخصياً بجرم المس بسمعة المؤسسة العسكرية، وأهم من ذلك كله في سبيل الحقيقة والانصاف، لا بدّ ان أدلي بالملاحظات التالية:

أولاً: في دور ومسؤولية القضاة المدنيين في القضاء العسكري.
من المهم جداً التنويه بأن نظام القضاء العسكري لا يقتصر على الضباط - القضاة بل ان هناك قضاة مدنيين يلعبون دوراً في هذا النظام لا يقل شأناً عن دور الضباط. ومن الصحيح ان وزير الدفاع يعيّن أعضاء المحكمة العسكرية من الضباط سواء التابعين للجيش أو لقوى الامن الداخلي او للامن العام وذلك سنوياً في بدء كل سنة، لكن القانون يوجب ايضاً ان يكون دوماً في عداد المحكمة العسكرية الدائمة عضو واحد على الاقل من القضاة المدنيين الذين يتم تعيينهم بمرسوم بناء لاقتراح مشترك من وزيري العدل والدفاع. أما محكمة التمييز العسكرية فيرأسها دوماً قاض مدني يعينه الرئيس الاول لمحكمة التمييز المدنية.
والأهم من ذلك، فإن الدعاوى لا تأتي الى المحكمة العسكرية من قيادة الجيش بل عن طريق النيابة العامة العسكرية التي يتولاها مفوض الحكومة، اما مباشرة او بعد صدور قرار ظني من قاضي التحقيق العسكري. ويُعين مفوض الحكومة وقضاة التحقيق العسكريون، ومنهم قاضي التحقيق العسكري الاول، دائماً من القضاة المدنيين.
وإن القاضي المدني الذي يحمل تسمية مفوض الحكومة هو الذي يتولى الادعاء ويحرك بذلك الدعوى العامة. ومن دون هذا الادعاء لا يمكن للمحكمة العسكرية ان تضع يدها على الدعوى.
وان الذي نسب الي جرم الاساءة للمؤسسة العسكرية بسبب الشهادة التي اعطيتها امام البرلمان الاوروبي في بروكسيل في 3/11/2003 عن حالة حقوق الانسان في لبنان، وتناولت في جزء منها القضاء العسكري، هو مفوض الحكومة آنذاك القاضي المدني السيد جان فهد. وهو الذي ادعى عليّ بهذا الجرم بزعم أنني ارتكبته على الاراضي اللبنانية. لكن محكمة التمييز العسكرية برئاسة القاضي المدني السيد جوزف قزي برأتني منه! ولم يكن الزعيم انطوان سعاده ليحاكم امام المحكمة العسكرية ويصدر عليه حكم الاعدام / الاغتيال ويتم إعدامه، وكل ذلك في اقل من 24 ساعة، لولا ان مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية آنذاك القاضي المدني يوسف شربل إدعى عليه ولولا ان لجنة العفو المؤلفة من كبار القضاة المدنيين وافقت على تنفيذ الاعدام / الاغتيال.
ومع ان القانون يجيز تعيين قضاة تحقيق عسكري من الضباط. فإن ذلك نادراً ما حصل. وفي احدى حالات حصوله في احدى الدعاوى حضرت ليلاً مع عدد من الموقوفين، وكانوا من المعتقلين السياسيين، امام المقدم جان سلوم وهو يرتدي الثوب العسكري وكان قائداً لفوج المكافحة، بصفته قاضي تحقيق، وذلك بعد ان كان مفوض الحكومة القاضي المدني ادعى عليهم وأمر بتوقيفهم. فطلبت من سلوم ان يسجل على المحضر اعتراضي على دوره لأنه ليس ولا يمكن، ان يكون قاضي تحقيق. ففعل ذلك من دون إعتراض. لكنه ما لبث ان احال المتهمين للمحاكمة بجنايات تحمل عقوبات قاسية يصل بعضها الى الاعدام. فدافعت عنهم امام المحكمة العسكرية الدائمة التي برأتهم جميعاً.
ثانياً: في العلاقة بين دور القضاة الضباط ودور القضاة المدنيين.
في المحكمة العسكرية أين ومتى يتم التعذيب؟ ان دور اعضاء المحكمة العسكرية من الضباط يشبه دور المحلفين في النظام الانكلوسكسوني. ويُختار المحلفون من الناس العاديين ولكنهم هم الذين يفصلون في الوقائع ويقررون نتيجة الدعوى.
وفي المحكمة العسكرية الدائمة فإن دور القاضي او القضاة المدنيين هو ارشاد زملائه العسكريين في شأن القانون.
ولا انسى انني، وعندما كنت ادافع عن عدد كبير من المعتقلين السياسيين امام المحكمة العسكرية، الذين كان ادعى عليهم مفوض الحكومة القاضي المدني، ادليت بدفوع شكلية وكان رئيس المحكمة ضابطاً طياراً، فقرر على الفور ضم الدفوع الى الاساس (أي تأجيل النظر بها الى الحكم النهائي)، لكن القاضي المدني، وهو القاضي معين عسيران، تدخل ولفت نظر الرئيس الى انه لا يحق له ذلك، فتراجع هذا الاخير عن قراره فوراً ومن دون أي جدل بالنظر لاحترامه رأي القاضي عسيران.
وبعد سنوات ربحت هذه الدعوى وصدر الحكم عن المحكمة العسكرية الدائمة بإعلان براءة المتهمين جميعاً.
ولا انسى انني مثلت موقوفاً امام احد قضاة التحقيق العسكري من القضاة المدنيين، وهو السيد وائل مرتضى، وكان الموقوف قد تم تسليمه الى الشرطة العسكرية من جهة حزبية وعلى جسده آثار التعذيب الشديد. فطلبت نزع قميصه عن جسده اثناء الاستجواب. فتأثر القاضي مرتضى بذلك كثيراً ومنع المحاكمة عنه.
وللإنصاف، لا يتعرض أي انسان للتعذيب بعد ان يتم تسليمه من الجهة الامنية الى النيابة العامة العسكرية. لأن التعذيب يحصل قبل ذلك. وغالباً ما يتم تأخير نقل المعتقل الى النيابة العامة العسكرية حتى تكون آثار التعذيب قد زالت عن جسده أو خفت كثيراً. فما العمل إذا تم في احدى القضايا كسر يد المعتقل اثناء استجوابه من جانب الجهة الامنية، ولم يعرض على طبيب فالتأمت منظمة الساعد على زاوية وهذا ما حصل لأحد موكليّ من المعتقلين السياسيين فطلبت عرضه على طبيب، لكن معاون مفوض الحكومة، القاضي المدني، أصدر قراراً برد طلبي لانني لم استطع اثبات ان موكلي في حاجة لمعاينة طبيب! ولا يمكنني ابداً ان انسى موكلاً لي تم تعذيبه أثناء التحقيق امام جهة أمنية قبل الادعاء عليه فوقع على الاعترافات التي تم تدبيجها من أجل توجيه اصبع الاتهام زوراً الى العماد ميشال عون وهو في المنفى، لكن هذا الموكل عاد عن اعترافاته وكتب الي انه كان من الممكن ارغامه، تحت وطأة التعذيب، على الاعتراف بأنه اغتصب أمه.
لكن وفي قضية التظاهرات الشهيرة امام تلفزيون "أم تي في" التي ادعى فيها مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، القاضي المدني، على عدد من الذين نسب اليهم بعض جرائم قانون القضاء العسكري، تمكنت من ان اثبت للقاضي المنفرد الناظر بالدعوى، وهو ضابط عسكري، انه تم اعتقالهم جميعاً بعيداً عن محيط "ام تي في"، فأصدر القرار بإعلان براءتهم.
ولا بدّ من التنويه ايضاً بأنه امكنني في بعض المرات مقابلة معتقلين لدى مديرية المخابرات في وزارة الدفاع لأنني وبعض زملائي المحامين توجهنا الى اليرزة وطلبنا مقابلتهم. وكانت إحدى تلك المرات في ساعة متقدمة من الليل، ومع ذلك وأمام إصرارنا اجيز لنا الدخول الى مكان احتجازهم ومقابلتهم بسلام.
وكمحام فإنني كنت دائماً ولا أزال على يقين من ان للقانون وحده القوة الكافية لتصويب الامور اذا تم تطبيقه بصورة صحيحة وسريعة وكاملة، وبالاحترام الكامل للدستور اللبناني والاعلان العالمي لحقوق الانسان، وهذا ما يتطلب تحفيز المحامين والقضاة من اصحاب النزاهة والحكمة المبنية على المعرفة والشجاعة والايمان.
وهذا هو جوهر شهادتي امام البرلمان الاوروبي الذي تمت ملاحقتي من اجلها امام المحكمة العسكرية الدائمة التي ابطلتها محكمة التمييز العسكرية المؤلفة من ضابطين عسكريين كبيرين برئاسة قاضي مدني كبير.
فلا يكون من المنطق أو المنصف رفع الصوت بالشكوى من القضاء العسكري، وبقضاته من الضباط حصراً، ومن دون القضاء المدني أو الشرعي أو المذهبي أو الروحي، وبإغفال حقيقة ان دور القضاة المدنيين في نظام القضاء العسكري يفوق في أهميته دور القضاة الضباط بمراحل كثيرة.

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard

توفر خدمة Premium من النهار للمشتركين:

  • - قراءة مقالات نسخة جريدة النهار الرقمية
  • - قراءة التحليلات والملفات الخاصة في الموقع
  • - تصفح نسخة الصحيفة بصيغة PDF
  • - الإستفادة من محتوى جميع مواد موقع النهار

إختر نظام الدفع الذي يناسبك

  • 1$
  • 33$
  • 60$

الدفع نقدًا متوفر فقط للإشتراك السنوي

إشترك الآن

الدخول عبر الفيسبوك

أو


الخطوة السابقة

العرض التي إخترته

سيتم تجديد إشتراكك تلقائيًا عند إنتهاء الفترة التي إخترتها.

 

وسيلة الدفع

إختر وسيلة الدفع التي تناسبك:

ابحث عن حسابك

يرجى إدخال بريدك الإلكتروني