... ثمّ يندم!

21 آذار 2017 | 00:00

أبرز ما تحقق بفضل اعتصام الاحد، انه اعاد الاعتبار الى ما يسمى الرأي العام، وذكّر بدوره المحوري في الحياة الوطنية، برغم الشوائب والزعرنات التي أساءت الى الحراك الشعبي قبل غيره.

انتصر الرأي العام بدفع المسؤولين الى احترام دوره. تجلّى ذلك في حضور رئيس الحكومة الى ساحة رياض الصلح، وعقد وزير المال، ثم رئيس لجنة المال والموازنة النيابية، مؤتمرين صحافيين، تواليا، أمس، لشرح ما تضمنه مشروع الموازنة العامة من ضرائب.
هي، ربما، المرة الأولى يبرر فيها مسؤول للناس، ما يتبنى من قرارات في الشأن العام. قد يكون السبب الضمني أن مجلس النواب لم يعد مرآة هذا الرأي العام. أولاً بسبب الشك في شرعية ولايته التي مددها بقرار لم يستشر فيه موكله، أي الشعب، وثانيا أن الحكومات، المسمّاة وفاقية، تلغي فعلياً رقابة مجلس النواب الذي تتمثل كل كتله في الحكومة. وعملياً، أدى إلغاء الديموقراطية البرلمانية باقتسام جبنة السلطة التنفيذية، إلى فتح الباب أمام ديموقراطية شعبية، أو مباشرة، أبدلت مساءلة النواب للحكومة، بمساءلة شعبية لها وللنواب. لكن الأمر يتطلب أكثر من مجرد اعتصام في ساحة رياض الصلح. يتطلب، من جهة، وعياً من الحراك المدني غير الميليشيوي وغير المقنّع، لأهمية دوره، ويُلزم، من جهة أخرى، فريق السلطة، أن يستحق مسؤولياته، بتسخيرها لمصلحة الوطن والمواطن.
كانت التجربة الأولى يوم أزمة النفايات، قبل عامين، لكن أكلة الجبنة، كما كان يسميهم الرئيس فؤاد شهاب، سفّهوها وسخّفوها بدس الميليشيات الحزبية في صفوفها لحرفها عن هدفها، والاحتماء بها، في وجه خصومهم السياسيين، وادعاء التطهر من الفساد، بالتغلغل بين أهلها، وبتمييع النقاش.
في تجربة الأحد، بدت المحاكمة الشعبية أنضج. لكن الفضل الحقيقي يعود إلى رئيس الحكومة الذي تجاوز الشكليات ومخاوف بعض ممن حوله، وتوجه الى المعتصمين مباشرة، واضعا نفسه بتصرفهم. ولولا المندسون، لكنا شهدنا ربما حوارا حياً أنعش الحرص على الديموقراطية.
قد لا يحتاج الأمر الى تكرار المشهد، بل تكرار الممارسة، لكن شرطها الأول أن يميز الحراك المدني الجاد خطه عن شعارات الميليشيات المستترة والمخابراتية. وشرطها الثاني أن يبادر وزراء الحكومة، ورئيسها، وأي حكومة بعدها، الى لقاءات مفتوحة مع الاختصاصين والمعنيين بأي موضوع مصيري قابل للجدل.
وقد يطرأ سؤال، عندها، عن دور مجلس النواب في هذه الحال. الجواب: لو ان مجلس النواب يضطلع، فعليا، بدور حامي مصالح الشعب، لكانت رقابته على الحكومات المتعاقبة خلال 8 سنوات، أي الولاية الشرعية، والولاية المقطعة، أنتجت إصلاحاً، أو تصويباً للضرائب والسلسلة، والهدر والفساد، في وقت سابق، ربما بسنوات. والحال لن تكون أفضل في المجلس المقبل، ما دام كل قطيع يعود إلى راعيه ومرعاه عند كل انتخاب... ثم يندم!

rached.fayed@annahar.com.lb

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard