آذار كان شهر الانتظار ولا قرار فهل يكون نيسان شهر الكذب والنسيان؟

21 آذار 2017 | 00:00

إذا كان آذار شهر الانتظار ويكاد ينتهي ولا اتفاق على قانون للانتخاب ولا قرار، فهل يكون نيسان شهر النسيان أو الكذب على الناس ليصبح أيار شهر المأزق الخطير الذي لا خروج منه إلّا بقرار من إيران في شهر حزيران... وإلّا ظل الرئيس ميشال عون ينتظر إلى أجل غير معروف بداية عهده مع مجلس نيابي جديد ينبثق من انتخابات حرّة نزيهة لا أحد يعرف متى تجرى وقبل أن يقترب عهده من نهايته.

وإذا كان لا قيام لدولة قوية في لبنان لا دولة سواها ولا سلاح غير سلاحها إلّا بعد التوصل الى حل للحرب في سوريا وبعد أن تنسحب اسرائيل مما تبقّى من الأراضي اللبنانية المحتلة، فإن لبنان سيظل يعيش الوضع الشاذ الذي عاشه منذ العام 2005 ولم يتغيّر مع العهود المتعاقبة.
الواقع أن ما جعل لبنان يواجه الأزمات عند كل استحقاق هي بدعة "الديموقراطية التوافقية" التي حلّت محل "ديموقراطية الأكثرية" التي صار تطبيقها متعذّراً، ليس في ظل الطائفية السياسية كما يعتقد البعض، إنّما في ظل فقدان التعدّدية داخل كل طائفة ومذهب، وهو ما حال ويحول دون انتخاب رئيس للجمهورية ضمن المهلة الدستوريّة إلّا بعد التوافق، ولا تأليف حكومة إلّا بعد التوافق، حتى إذا ما تعذّر ذلك يبقى لبنان بلا رئيس للجمهورية وبلا حكومة وبلا مجلس نيابي.
إن هذا الوضع الشاذ يفرض العودة إلى "ديموقراطية الأكثرية" التي جعلت النائب سليمان فرنجية يفوز برئاسة الجمهورية بصوت واحد تأكيداً لقوة هذه الديموقراطية وأهميتها، كما فاز مرشّحون للنيابة في الماضي بأصوات معدودة. وكانت الحكومات تتألف عند ضمان ثقة الأكثرية المطلوبة، أما الأقلية فكانت تحاسبها على أعمالها، حتى إذا أرضت الناس تحوّلت الأقليّة في الانتخابات النيابية أكثرية والأكثرية أقلية.
لذلك فإن حسم الخلاف على قانون الانتخاب إذا ظل التوافق عليه متعذّراً ينبغي أن يخضع لتصويت الأكثرية شرط ألّا تكون عادية أو مطلقة بل أكثرية الثلثين حرصاً على الميثاقية وعلى الوحدة الوطنية حتى وإن لم ينص الدستور عليها بل نُصَّ عليها في مجلس الوزراء فقط، لأن لا خروج من بدعة "الديموقراطية التوافقية" إلّا باعتماد ديموقراطية الثلثين وإن بالعرف لأنها هي التي تحافظ على الميثاقية وعلى الوحدة الوطنية عندما يكون مطلوب الموافقة على المشاريع المهمة والمواضيع الأساسيّة كتلك التي حدّدتها المادة 65 من الدستور، فالأكثرية العادية أو المطلقة ليست ميثاقية عند إقرار المشاريع المهمة كونها لا تمثل كل المذاهب والمناطق. وإذا كان الرئيس نبيه برّي يتجنّب طرح مشاريع قوانين الانتخاب على التصويت فلأنه يخشى إذا ما صارت الموافقة على أحدها بالأكثرية العادية أن تخل بالميثاقية وتعرّض الوحدة الوطنية للخطر، وإذا ما صار اتفاق على أن تتم الموافقة عليها بأكثرية الثلثين وهي غير متوافرة، فإن كل المشاريع الانتخابيّة تسقط فيزداد الوضع تعقيداً وتأزّماً.
إن هذا الوضع الشاذ لم يكن سائداً في الماضي لأن الأحزاب كانت وطنيّة ولم تكن طائفية كما هي اليوم، وكانت التعدّدية موجودة داخل كل مذهب وطائفة وليست مفقودة كما هي اليوم لدى غالبيتها العظمى. فعندما كان رئيس الجمهورية ينتخب بأكثرية النصف زائداً واحداً في الدورة الثانية كانت هذه الأكثرية وطنية وليست طائفية كما هي اليوم، لتصبح أكثرية الثلثين هي المطلوبة للموافقة على أي مشروع مهم إذا تعذّر التوافق عليه وذلك حرصاً على الميثاقية والوحدة الوطنية، وكذلك الأمر عند تأليف الحكومات، إذ أن الرئيس المكلف تأليفها كان يحرص ليس على التوازن في تمثيل الطوائف فقط، إنّما على الوزن أيضاً، بحيث أنه إذا لم يكن في الإمكان تمثيل هذا الزعيم عن طائفة معيّنة فإنها تتمثّل بزعيم آخر، ولم يكن يحصل ما يحصل اليوم وهو أن كل طائفة تسمّي زعيماً واحداً من دون سواه وإلّا هدّدت بعدم المشاركة في الحكومة فلا تعود عندئذ ميثاقية.
إن لبنان عاش في الماضي مع تقدّم الشعور الوطني على الشعور الطائفي خلافاً لما هو عليه الوضع اليوم، وبات كل ما يهم الناس في هذا الزمن البائس أن تجرى الانتخابات النيابية على أساس قانون عادل ومتوازن ومقبول من كل القوى السياسية الأساسيّة في البلاد أو من غالبيتها، وهو ما يجعلهم يختلفون على ترجمة ذلك، كما لا يهمّهم عدد النواب ولا كيف توزّع الحصص على الأحزاب، ويتذكّرون قول المغني الساخر عمر الزعني، رحمه الله: "النواب كانوا عشرين عملوهم خمسة وخمسين، وزادوهم للسبعة وسبعين ورجّعوهم للأربعة وأربعين، وبعدين صاروا تسعة وتسعين ودركبوهم للميّة والحالة هيّي هيّي"...

emile.khoury@annahar.com.lb

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard