نداء دستوري صرف على هامش إقرار سلسلة الرتب والرواتب

20 آذار 2017 | 00:00


هذا النداء أطلقه القاضي مروان عبود رئيس الهيئة العليا للتأديب، ووجّهه الى فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، بوصفه حارس الدستور. هذا الدستور، الذي من بديهيات دوره، أنه يُشكّل الضمانة الأساسية لحقوق المواطن وحرياته، ولهذا السبب ابتدع الفكر القانوني في العالم الحر، فكرة إنشاء المحاكم والمجالس الدستورية، لتشكّل الحصن النهائي، الذي من خلاله يتمكن المواطن من حماية حقوقه وحرياته.
ولبنان والحمدلله تسنى له مع نهاية تسعينات القرن الماضي، اللحاق بركب الديموقراطية العالمية، من خلال إقرار إنشاء المجلس الدستوري، وعليه أصبح هناك - على الأقل من الناحية النظرية - من يضمن تلك الحريات والحقوق ويمنع تجاوزها من قبل السلطتين التشريعية والتنفيذية.
هنا لا بدّ من الإشارة الى ان بعض الديموقراطيات أخضعت حتى الأحكام القضائية للرقابة على مدى دستوريتها، من خلال إتاحة الحق للمواطن بالطعن بأي قرار قضائي صادر بحقه، وذلك أمام المحكمة أو المجلس الدستوري المختص.
هذا النداء لجأ اليه القاضي مروان عبود، بسبب إدخال مادة غريبة في قانون الموازنة، تتعلق بإقرار سلسلة الرتب والرواتب وذلك من خلال النص التالي: "يمكن للسلطة التنفيذية عند تقييمها أداء وسلوك الموظفين، إتخاذ القرارات المناسبة بشأنهم بما في ذلك إنهاء الخدمة".
فعلاً لهو حق باطل دستورياً لأنه وإن كان الدستور قد أعطى السلطة التنفيذية، في البند 3 من المادة 65 منه، حق تعيين موظفي الدولة وصرفهم وقبول إستقالتهم وفق القانون، ولكن ولكي لا تتغوّل السلطة التنفيذية في كيديتها حيال الموظفين على خلفيات سياسية، جاء قانون الموظفين من ضمن رزمة الاصلاحات التي وضعها الرئيس الراحل فؤاد شهاب، وأقرنه بإنشاء الهيئة العليا للتأديب، وذلك لمنح الموظف ضمانات ضد أيّ انحراف قد تسلكه السلطة التنفيذية (المجلس التأديبي)، وللتأكيد له بأنه لا يمكن لتلك السلطة الافتئات على حقوقه، حيث أعطته تلك القوانين، حصانات وضمانات جديرة بأن تجعله يشعر بأنه مُحصّن لحدٍ ما ضد عسف السلطة التنفيذية، لا بل أُعطي المزيد من الضمانات من حيث أتاح له القانون الطعن حتى بقرار الهيئة العليا للتأديب، أمام مجلس الشورى. إزاء كل هذه الضمانات، يا تُرى من كان وراء إدخال هذا النص، كان غافلاً عنها! أم أنه يُراد من جراء هذا النص، تسليط السيف على رقاب الموظفين الذين "لا ظهر لهم"، لأنه لنكن واقعيين مهما كان التقييم سلبياً، بالنسبة الى الموظف المدعوم - وتجارب الماضي البعيد والقريب خير شاهد على ذلك - سيبقى كزوجة القيصر فوق الشبهات وحتى لا يمكن لأي كان المساس به.
هذا النص لا يجوز السكوت عنه، ونداء القاضي عبود، لا يمكن أن يضيع في قعر الوديان، لأنه لا بدّ من وجود عشرة نواب لسلوك الطعن بوجه هذه المادة، أمام المجلس الدستوري، لإبطال هذا النص، الذي يُطيح كل الضمانات التي وضعت منذ أكثر من خمسة عقود لتأمين الاستقرار للجسم الوظيفي، وكي لا تتكرّر مهزلة قانون إعفاء القضاة وكبار الموظفين، الذي صدر في ستينات القرن الماضي (في عهد الرئيس الراحل شارل حلو)، والذي سُمّيِ يومها وللأسف "بقانون التطهير" حيث أطيح يومها عدة قضاة وكبار الموظفين بشحطة قلم في مجلس الوزراء، من دون الإتاحة لهم يومها بالدفاع عما هو منسوب اليهم، وطار البريء النظيف تحت جناح الفاسدين، الذين كانوا قلّة قليلة من بين الذين أعفوا من مناصبهم. بوجود المجلس الدستوري نُطمئِن الرئيس مروان عبود، في حال أقدمَ عشرة نواب على الطعن بهذه المادة، بأنه لن يتردّد المجلس الدستوري في إبطال هذا النص، لأنه وإن كان الموظف في وضع نظامي وفق الاجتهاد الاداري، ولا يمكنه المطالبة بحقوق مكتسبة، من جراء القوانين القديمة، والتي يمكن لمجلس النواب تعديلها ساعة يشاء، إلاّ أنه ووفق اجتهاد القضاء الدستوري حول العالم - وحتى في لبنان - لا يمكن للمُشرّع الانتقاص أو الحذف من الضمانات التي كان يتمتع بها الموظف في ظل القوانين القديمة، لأن الضمانات شيء والحقوق المكتسبة شيء آخر.
من هنا نقول اذا كان لبنان سيبقى ضمن مفهوم دولة القانون، لا بدّ من قيام عشرة نواب بالطعن أمام المجلس الدستوري، الذي لن ينقض اجتهاده ولا اجتهاد نظرائه حول العالم، وسيقوم بإلغاء هذا النص، لأنه لا يجوز شطب ضمانات وُضِعت للحد من تجاوز السلطة التنفيذية، لمنعها من التعسّف ضد الموظف، خصوصا لجهة طرده - أو عزله - من الوظيفة، لأنه عملاً بالقول الشائع "قطع الأرزاق من قطع الأعناق". ولهذا لا نعتقد ان لبنان سيسير القهقرى، ويعود الى عصور سابقة، كأن الموظف رهينة بيد السلطة التنفيذية.

 

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Website by WhiteBeard

توفر خدمة Premium من النهار للمشتركين:

  • - قراءة مقالات نسخة جريدة النهار الرقمية
  • - قراءة التحليلات والملفات الخاصة في الموقع
  • - تصفح نسخة الصحيفة بصيغة PDF
  • - الإستفادة من محتوى جميع مواد موقع النهار

إختر نظام الدفع الذي يناسبك

  • 1$
  • 33$
  • 60$

الدفع نقدًا متوفر فقط للإشتراك السنوي

إشترك الآن

الدخول عبر الفيسبوك

أو


الخطوة السابقة

العرض التي إخترته

سيتم تجديد إشتراكك تلقائيًا عند إنتهاء الفترة التي إخترتها.

 

وسيلة الدفع

إختر وسيلة الدفع التي تناسبك:

ابحث عن حسابك

يرجى إدخال بريدك الإلكتروني