فرصة ممكنة للبنان

16 آذار 2017 | 00:00

انتهت حروب لبنان في 1990، الا ان المعارك السياسية استمرت لا حرصاً على وثيقة الوفاق الوطني بل تثبيتاً لسلطة الوصاية، بمعزل عن المضامين الاصلاحية لاتفاق الطائف التي أُدخلت في الدستور المعدل. الاقصاء السياسي في تلك المرحلة لم يميّز بين مؤيدي الطائف ومعارضيه. جاء اعتراض العماد ميشال عون ولا سيما على الجانب السيادي في اتفاق الطائف، على عدم وجود آلية قابلة للتنفيذ لانسحاب الجيش السوري تحديداً. وعلى رغم تأييد الدكتور سمير جعجع للطائف فلم يَسلَم من الاستهداف السياسي والامني. واللائحة تطول ضمن البيئات السياسية المختلفة، ولم يستثنِ الاستهداف بعض أبرز صانعي الطائف.

مع الانتخابات النيابية في 1992، بعد عام على تعيين أكثر من ثلث أعضاء مجلس النواب، اكتمل المشهد الانقلابي (كتاب الوزير السابق البير منصور، "الانقلاب على الطائف" شهادة شاهد من أهل الطائف). هكذا جاءت الانتخابات النيابية في التسعينات شبيهة بوظائف الانتخابات في الانظمة السلطوية، حيث تشهد تنافسا وحملات ونتائج معلّبة اذا لزم الامر، الا انها لا تؤثر في معادلة السلطة. في الداخل، طغى الشأن المحلّي ومعه الحسابات الفئوية المتعددة، أما في المسائل الاساسية فللخارج القرار النهائي والحاسم.
معادلة السلطة في مرحلة ما بعد الحرب لاقت دعماً اقليمياً وغطاء دولياً لأسباب مرتبطة بالاوضاع التي سادت مع انتهاء الحرب الباردة وبالتحالفات الاقليمية بعد حرب تحرير الكويت وساهمت في تمتين العلاقات بين سوريا والسعودية. تبدلت الاوضاع الاقليمية بعد حرب العراق في 2003 وساءت العلاقات السورية- الاميركية. وجاء "الربيع العربي" في 2011 ليطيح الموازين السياسية والعسكرية الاقليمية. حقبة جديدة انطلقت، تبعثرت معها التحالفات والغايات، فجاءت غير مسبوقة في تداعياتها على مستوى الدول والمجتمعات.
مسار الانتخابات الرئاسية الاخيرة في ظل التحولات في لبنان ومحيطه عكس التبدل في قواعد اللعبة المعهودة. التفاهم بين حزب الله والتيار الوطني الحر في 2006 ولاحقاً المصالحة بين التيار والقوات والانفتاح الذي أنتج تعاوناً مثمراً مع الرئيس الحريري، وطبعاً تشبث العماد عون بموقفه، محطات حاسمة في المسار الذي ادى الى الانتخابات الرئاسية، فكانت نتاجاً محلياً في الدرجة الاولى. وكان لا بد ان تجمع الاضداد عندما لا يكون القرار معلّباً ولا تسوّره الصفقات.
وعلى رغم توافق الضرورة في الانتخابات الرئاسية بتقاطعاتها الدقيقة والمحسوبة فانه يشكل فرصة لاطلاق عجلة اعادة بناء الدولة على أسس افتقدتها منذ سنوات. قوى سياسية متناحرة في السلطة تعكس واقعياً الحالة اللبنانية، ولكن ليس الى حدّ المجازفة المدمرة للذات وللغير. الهيكل اليوم واحد، وتحت سقفه لا امتياز لأركانه إلّا في لبنان، في قيامه قيامة للبنان وسقوطه يصيب الجميع. ففي حين ان الشقوق التي تعصف في المحيط الاقليمي موجودة في لبنان، إلّا ان البلاد خارج دائرة الفتن والنزاعات، بإرادة القوى السياسية الفاعلة، خلافا لمرحلة الحرب في منتصف السبعينات عندما راهن البعض على القوة العسكرية لحسم النزاع.
فرصة متاحة مصدرها هذه المرة المحيط الاقليمي: تخمة نزاعات لم يعد لبنان ساحتها أو مصدرها، داخل الدول وفي ما بينها، فضلاً عن الارهاب المعولم. سوريا ساحة حروب لم تصل الى لبنان، وحزب الله يفصل بين حركته السياسية في الداخل وانخراطه في الحرب السورية. أما السعودية فهي منهمكة بحرب اليمن وبأولويات لا صلة مباشرة لها بلبنان. وايران، المنفتحة الآن على العالم، تتعامل مع لبنان الدولة لا الساحة. والمفارقة ان السعودية وايران، المحورين الأساسيين في التجاذبات الاقليمية الراهنة، تلتقيان على دعم الجيش اللبناني. والدول الكبرى تدعم الاستقرار في لبنان، ملاذاً للاجئين وحفاظاً على مصالحها. بايجاز، وظائف لبنان الساحة أو المنصة لتوجيه الرسائل على أنواعها تبدّلت بالنسبة الى الخارج، الاقليمي والدولي، وباتت بلا جدوى قياساً بمراحل سابقة.
في ظل هذه التحولات، ثمة فرصة ممكنة للبنان مع عهد رئاسي جديد بتحالفاته، القديم منها والجديد، لاستعادة القرار والمبادرة في اتجاه تصحيح الخلل من أجل قيام دولة تحترم نفسها فيحترمها الآخرون. هكذا يؤخذ لبنان على محمل الجد فيكون حاجة للاستقرار وليس ساحة رديفة لنزاعات دفع ثمنها غالياً اللبنانيون، أفرادا وجماعات.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard