حقّ الحضانة... لماذا كل هذه التعمية ؟

16 آذار 2017 | 00:00

كان متوقعاً ما أصدره قاضي الأمور المُستعجلة في النبطية، القاضي أحمد مزهر، من قرار يقضي بإلزام طليق المُستدعية ريتا شقير تسليم ابنهما آدم (4 سنوات) لرؤية أمه "مرة أسبوعياً، يوم السبت من الساعة الثالثة حتى السادسة بعد الظهر، تحت طائلة غرامة إكراهية قدرها 3 ملايين ل.ل. عن كل تأخير في تنفيذ القرار".

هذا التوقع ناتج عن بيئة اجتماعية وقانونية وذهنية دينية مسترخية تعودت على تأجيل الحلول الناجعة للمشاكل الاجتماعية حتى تحولت الحياة الى مساحة لينفذ الجميع فيها أحكامهم الهندسية دونما أدنى مراعاة للظروف وما تستدعيه من انفتاح على عمق المشكلة واجتراح الحلول المرضية لها.وما لا بد من توضيحه بعيداً عن الجدل العادي الذي يدور حول أحقية الأب أم الأم في الحضانة فإن المسألة الجوهرية هي أنه سواء كان الحاضن للطفل أمّه أو أبيه، فلا بد أن يكون مأموناً على تأمين حاجات الطفل ورعايته بالشكل الذي يحقق له السلامة والاستقامة، فربما تكون الأم بحكم ظروفها غير قادرة على حضانته لسفر أو مرض أو زواج من رجل آخر أو غير ذلك، كذلك الأب يمكن أن تكون لديه الظروف نفسها. فهل نحكم على الطفل بأن يلزم أحد أبويه غير المؤهليْن لرعايته؟ وأين مصلحته في كل ذلك إذا كانت هذه المصلحة هي أساس تشريع الحضانة من البداية؟
وحتى لو كان الأولاد مع آبائهم الصالحين، فلا يعني ذلك حرمان الأم منهم بعد طلاقها، وممارسة الظلم بحقها، فشرعاً لا يجوز حرمانهم من أمهم بنصّ الآية المباركة "لا تضارّ والدة بولدها ولا مولود له بولده" [البقرة:233]، فمن حق الأم أن تراهم إما كل يوم أو بين يومٍ ويوم بحسب ما تقتضي المصلحة، كما من حق الأب أن يرى طفله بعد فترة الحضانة، إن بقي الطفل مع أمّه.
يقول المرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله "هناك طبعاً فترة حضانة، والله يقول: "لا تضارّ والدة بولدها" [البقرة:233] (أي من غير المقبول التسبب بالأذى للزوجة من خلال حرمانها من رؤية ولدها وكذلك الأمر بالنسبة الى الأب).
ولقد أفتى المرجع فضل الله بأن للأم المطلّقة حقّ حضانة ولدها الذكر والأنثى لسبع سنوات، وحول سنّ الحضانة فمن المعروف أن جمهورية إيران الإسلامية، قد رفعت سنّ الحضانة حتى سبع سنوات للصبي وتسع سنوات للفتاة، فيما لا يزال آخرون يمنحون حقّ الحضانة للأم حتى السنة الثانية من العمر إن كان صبياً، والسابعة إن كانت فتاة.
الحاجة اليوم ملحّة للعمل سوياً على مستوى المرجعيات الدينية والقانونية على معالجة كل ما يعترض إحقاق الحقوق والحفاظ على مصالح الجميع من أم وأب وأطفال ومجتمع، وعدم تجاهل الواقع وما يحصل فيه من تداعيات تجعله يعيش الفعل وردّة الفعل دون اجتراح الحلول العملية والتطبيقية التي تراعي الكيان الاجتماعي والإنساني ككل فلماذا لا يجري فتح نقاش علمي بالموضوع ووضع آليات تنفيذية سريعة تتفق عليها المؤسسات الدينية والقانونية؟
إن النص الشرعي أو ما يفهم منه هو في أهم غاياته وأبعاده مراعاة الجانب الإنساني والاجتماعي العام للجميع وليس نصا مغلقا ومستعصيا على الفهم الاجتهادي، فالنص عامل مساعد في حلحلة الأمور وفق المصلحة التي يراها مناسبة للناس وليس حجر عثرة في وجه معالجة المستجدات، وإلا فما نفع الاجتهاد من أساسه ! فهل نتحول إلى محاكم تسقط الفتاوى على الواقع فيما المطلوب فتاوى لمعالجته لا لزيادة تأزيمه. ففي قضية حضانة الأولاد هناك أدلة من الروايات وهي كثيرة يمكن الإفادة منها شرعا في تعديل سن الحضانة لجهة رفعه على الأقل إلى سبع سنوات. فلماذا يغلق هذا الباب ويتمترس البعض حول فتاوى معينة، وتُطرح فتاوى أخرى من النقاش والتي تساعد في الحل؟ فالمسألة ليست قضية تعصب لفتوى أو مرجع بمقدار ما هي تأكيد المصلحة في أي دليل شرعي معتبر، وكأن المذهب الشيعي برمته مذنب بهذا الشأن وقاصر من ناحية الاجتهاد لوضع الحلول العملية بينما الحقيقة عكس ذلك إذ لطالما تميز الاجتهاد الشيعي بمرونته ومواكبته لمشاكل العصر المستجدة؟
في النتيجة لا مناص من النظر في قضايا الحضانة بجدية وحكمة، أين تكمن مصلحة الطفل.

مؤسسة السيد محمد حسين فضل الله

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard