تكاثر الجريمة في لبنان من منظار قانوني وقيمي قرطباوي: المشكلة إخلاقية - مسرة: أزمة مؤسسات ودولة

1 آب 2013 | 00:00

العنف ضد المرأة... مشكلة قيم وأخلاق.

ما الذي يؤدي اكثر الى الجريمة، غياب القانون ام انعدام القيم والاخلاق؟ هل هناك ما يشبه الهستيريا التي نعيشها اليوم وغياب أي رادع لناحية القتل والانتحار والتشويه، سببه غياب القانون ام القيم؟ هل هي شريعة الغاب نحتكم اليها وسببها فلتان امني وسياسي على كل الاصعدة؟ في غياب القانون يأكل القوي الضعيف، والعنصر الاضعف هن النساء والأولاد. هل نحن امام ازمة رادع؟

وزير العدل شكيب قرطباوي قال لـ"النهار" ان سلم القيم انقلب في لبنان، واصبح كل شيء قابل للشراء والبيع، ولعل ذلك سببه الحرب وفساد الاخلاق والركض وراء المال. وقال ان القوانين موجودة انما المشكلة اخلاقية قبل كل شيء، "القوة لا تفيد لوحدها بل هي للمدافعة عن المجتمع من خلال عقوبة المذنب. هناك نظرة خاطئة من ان تشديد العقوبة يخفف الجريمة، وهذا ليس صحيحاً، فعندما الغت كندا عقوبة الاعدام في ثمانينات القرن الماضي انخفضت الجريمة في السنة التالية عندها. نحن نعاني من مشكلة اخلاقية ومن انقلاب القيم، واصبح المال الهدف الاول والاخير في لبنان.
والمشكلة الثانية هي تفش كبير لظاهرة الادمان وليس هناك من يريد علاجها بجدية، عدد كبير من الجرائم سببها المخدرات، اما مدمنين او تجار، فقد تبين من القاء القبض على اخر عصابة ان اكثرية التجار من الفئات الشابة، من الجنسين، عدا عن عشرات المدمنين في الجامعات والمدارس، من هنا كل مدة اطلق الصرخة وانادي، هذا يحتاج الى جهد مشترك: محاربة الادمان وهي سبب اساسي لتفشي الجريمة، وهذا لا يحارب من رجال الامن والقضاة وحدهم بل في تضافر جهود القضاء وقوى الامن واجهزة الدولة مجتمعة، ومن ادارات الجامعات والمدارس وقبل كل شيء من الاهل، لمواجهة هذه الظاهرة الخطيرة".
وقال انه منذ نحو اربعة اشهر وضعت وزارة الصحة اربعة مصحات لمعالجة المدمنين وكان الوزير قد فعّل لجنة مكافحة الادمان التي ينص عليها قانون مكافحة المخدرات وترأسها القاضية رندة كفوري والتي ترسل المدمن الى احد المصحات حيث يخضع لمعالجة طبية ونفسية، "اذا ثبت في نهاية مدة العلاج شفاء المدمن وفق تقارير طبية ونفسية، تعطي هذه اللجنة شهادة الشفاء فتسقط الملاحقة القانونية حكما ونكون بذلك قد انقذنا المدمن صحياً وانقذنا مستقبله من خلال عدم ملاحقته وعدم صدور حكم يسجل على سجله العدلي. لكن ذلك لا يكفي من دون تضافر المجتمع المدني مع الدولة ومع الاهل".
وتحدث عن مشروع قانون العنف الاسري الذي اقر في اللجان النيابية المشتركة بعدما تمت دراسته في لجنة فرعية خلال 53 اجتماعاً وحاليا في اول جلسة للهيئة العامة لمجلس النواب سيبت فيه نهائيا، "هذا املنا، ولا استطيع ان اقرر عن مجلس النواب، ولكن هذا لا يمنع القتل، بل من اهم الاشياء انه يسمح للزوجة المعنفة ان تبقى في البيت، في حين الغيت جريمة الشرف منذ نحو عام بقانون صدر عن مجلس النواب".
أما عضو المجلس الدستوري وعالم الاجتماع الدكتور انطوان مسرّة، فقال: "نحن في حالة انعدام المعايير والبوصلة والمرجعية للحياة العامة، وهذا النوع من الوضع الذي نعيشه شبيه في الانظمة التوتاليتارية التي تضرب سلم القيم في المجتمع. ومع اختلاف الاوضاع والتاريخ هذا الوضع شبيه جدا بما حصل ايام الفاشية والنازية، وهذا يعود الى اوضاع عالمية جزئيا واوضاع لبنانية واقليمية، لأن العالم في حالة استنساب في كل شيء اذ ان كل الامور خاضعة للحوار والنقاش ومن دون اي حدود او معايير".
اضاف هذا الوضع خطير جدا في لبنان لأن لبنان يعاني أساساً من وضع سياسي داخلي صعب ووضعه اصعب في ظل الصراع الاقليمي الى جوار عدائي وجوار في حالة من التحول الديموقراطي. وبدأ يظهر انعدام المعايير في شكل مكثف بعد العام 2005 وساهم الاعلام التلفزيوني في تعميم مصطلحات وعبارات متداولة في السوق وجعل منها موضوع نقاش وحوار وسجالات وتحول حتى الدستور اللبناني الى مجرد رأي ووجهة نظر. هذا الوضع لا يعود فقط الى ما يسمى الطبقة السياسية، الازمة ليست في المؤسسات او الدستور وليست في اتفاق الطائف، بل بفقدان رجال دولة في لبنان. وقد تعممت اليوم الانتهازية على كل المستويات، حتى انها طالت فئات من المجتمع مفترض ان تكون محصنة، مثل القضاء وليس كله، واساتذة جامعات، ورجال دين، وهذه الفئات من المجتمع هي التي تنتج المعايير، وتنظمها. وسبب آخر ان اللبناني مع كل صفاته الايجابية في الابداع والمقاومة والثقافة والخبرة التاريخية التي اكتسبها، الا انه يعاني من مرض عميق جدا في علم النفس التاريخي، يعاني عقد نفسية من التاريخ، منها عقدة النقص، وعقدة الخوف، وعقدة الغبن وعقدة الباب العالي، وكل طائفة تعاني منها في اشكال متنوعة، ويأتي السياسيون الذين يعرفون التلاعب بهذه العقد عند مختلف الجهات. ويوميا نسمع في البرامج التلفزيونية كلمات وشعارات ومصطلحات تدخل في عقول الناس ويهضمونها، لأن فيها منطق، لكن الخطأ في نقطة الانطلاق. واليوم نعيش في عالم كلام فقد معناه، ويقول كونفوشيوس: "عندما تفقد الكلمات معانيها يفقد الناس حرياتهم". نحن اليوم مسيرون بضبابية كلام. اهم ورشة عملية تغييرية في لبنان تكمن في استعادة سلطة المعايير ومعنى بديهيات الكلام: ماهية الدولة والدستور والجيش، القانون وشرحها كأن اللبناييين تلامذة حضانة.

roula.mouawad@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard