أفلام مهرجان برلين تصدّت بالفكاهة والجدية إلى راهن مضطرب

25 شباط 2017 | 00:00

انتهى مهرجان برلين السينمائي الأحد الماضي بفوز فيلم المخرجة المجرية إيلديكو انييدي، "جسد وروح"، بجائزة "الدبّ الذهب"، فيما أُسنِدت جائزة "أفضل مخرج" للفنلندي آكي كوريسماكي عن "الجانب الآخر للأمل".

فيلمان متجذران في الواقع الآني تناولناهما الخميس الماضي في هذه الصفحة. أما جائزة لجنة التحكيم الكبرى (دبّ فضة) فذهبت للمخرج الفرنسي السنغالي ألان غومي عن فيلمه "فيليسيته"، وهو الفيلم الذي نستعرضه في المقال الآتي مع غيره من الأفلام التي عُرضت في الدورة السابعة والستين لهذا المهرجان الذي بيعت فيه نحو ٣٥٠ ألف بطاقة هذه السنة، ما يضعه في صدارة التظاهرات الأكثر تحقيقاً للايرادات في العالم. العديد من الأفلام المنتقاة من فريق ديتر كوسليك تصدّت لزمننا الراهن، زمن مضطرب ومأزوم، تمت معالجته إما بالفكاهة وإما باستدرار العواطف.
"فيليسيته"، عمل إشكالي في طبيعته، ذلك أنه يحمل العوارض التي يحملها عدد كبير من الأفلام الراهنة المشغولة بتقنيات الديجيتال. هذه التقنيات المتاحة لأكبر عدد، جعلت الأفلام أكثر طولاً، لكنه طول بلا طائل. دراما يائسة مثل "فيليسيته"، تستفيض في مشاهد تأكيدية، لإثبات الشيء لا لتصويره، فتعود وتتكرّر تلك المشاهد بلا إضافة حقيقية سوى الرغبة في تأكيد المأساة وتضخيم ملامحها. هذا أمر فاعليته مشكوك فيها. ثمة فيلم جيد في "فيليسيته"، إلا أنه يحدث أن ينتهي بعد نحو ساعة من البداية، الباقي يجرجره غومي خلفه كجثة، ريثما يجد مكاناً لطمرها. صورة الجثة هنا تعبيرية، لا أقصد أنّ الفيلم يفتقر إلى المزايا، هي فقط للإشارة إلى فيلم يُغتال لقطة بعد لقطة.
تجري الحوادث في كينشاسا. فيليسيته مغنيّة يصدح صوتها في إحدى الحانات قبل أن ينتهي الحفل بعراك. هذه حال المدينة التي تعيش فيها: عنيفة، لا ترحم. كلّ هذا العنف مرسوم على تفاصيل وجهها وفي سلوكها اليومي ونبرة صوتها. حياتها سلسلة لقطات متشابهة، تسير بلا مشكلات على ما يبدو، إلى اليوم الذي يتعرّض فيه ابنها ذو السنوات الـ١٤ لحادثة، فيُنقل إلى المستشفى حيث يرقد في انتظار أن يخضع لجراحة مكلفة لا تملك الأم المفجوعة ثمنها. ما سنتابعه بعد ذلك هو سعيها إلى جمع المال المطلوب لإجرائها ونهوض الابن.
غومي الذي سبق وعرض في مسابقة برلين قبل 5 سنوات، فيلمه "اليوم"، يرسم هنا بورتريهاً لسيدة قوية تخترق الشاشة بحضورها الاستثنائي (تمثيل جبّار للكونغولية تشاندا بيا). تتشكّل الشخصية من عيّنات نسائية عدة يعرف غومي عدداً منها في الواقع. هي تحديداً المرأة التي لا تستسلم مهما حصل. ثمة أيضاً قصة حقيقية ألهمت غومي: أحد أولاد عمومته البالغ 17 عاماً، تعرّض لحادث سير. حصل خطأ طبي في المستشفى ففقد على إثره ساقه. مزج غومي رؤيته للمرأة الافريقية القوية بحكاية ابن عمه، فكان "فيليسيته": فيلم ينبض بالحياة، يُرينا الأحوال المعيشية والاجتماعية والانسانية لواحدة من أفقر العواصم الافريقية، حيث الحياة والموت رهينا العشوائية.
■ ■ ■
هناك فيلمان على الأقل عكّرا صفو الأجواء في الـ"برليناله": "العشاء" للأميركي الإسرائيلي أورن موفرمان، والثاني "الحفل" للبريطانية سالي بوتر (مسابقة). ثمة عدد من النقاط يلتقيان فيها، بدءاً من الصيغة الحكائية والمقاربة الإخراجية، وصولاً إلى الموضوع نفسه. انها السينما في زمن دونالد ترامب والـ"بركسيت". ثمة واقع متوتّر ومرّ يعيشه العالم، والسينما تعبّر عنه على طريقتها الساخرة.
في "العشاء"، المقتبس من بست سيللر للكاتب الهولندي هرمان كوش، تتعلق المسألة بحفل عشاء كما يشير إليه العنوان. زوجان (لورا ليني وستيف كوغان) يستعدّان لتلبية دعوة إلى عشاء في مطعم فاخر للنخبة (المطبخ البوست مودرن محلّ تنكيت مبطّن في عدد من المَشاهد)، حيث سينضم إليهما شقيق الزوج وزوجته (ريتشارد غير وريبيكّا هول). الشقيق سيناتور يخوض حالياً حملة انتخابية لمنصب الحاكم.
اذاً، ما سيبدأ بالتوافق والوئام والاحترام والرقي سيتحوّل في نهاية العشاء مجزرة تذكّر قليلاً بـ"إله المجزرة" لياسمينا رضا. كلّ الأقنعة التي يختبئ خلفها هؤلاء الأربعة ستسقط، لتنكشف الحقيقة العارية بلا ماكياج أو تدوير زوايا كما يُقال في لغة السياسة. خلال العشاء، تحدث الكثير من الصولات والجولات حول موضوعات عدّة، يتم الالتفاف حولها بالسخرية واللؤم اللذين يميّزان شقيق السيناتور. لكن هذا كله ليس سوى تمهيد للتصدّي إلى موضوع أخطر. على غرار مسرحية رضا، ثمة وحدة مكان في معظم الفيلم، تتخللها قفزات إلى الخارج لنقل تفاصيل حكاية موازية تنعكس سلباً على الداخل. ثمة أيضاً العديد من الفلاشباكات التي تُخرجنا من رتابة ديكور المطعم المطرّز بخشب السنديان الفخم الغارق في العتمة. اللقاء برمّته يصوّره موفرمان كعمل تشويقي تتصاعد وتيرته مع تطوّر الحوادث ليُفضي بنا إلى وحشية قادرة عليها حتى أكثر الناس رقياً وأناقة وتذوقاً للحياة.
في "الحفل"، لا يختلف مسار الفيلم عن ذاك الذي في "العشاء". هناك مرةً أخرى، مجموعة أشخاص يلتقي بعضهم بعضاً لهدف سامٍ، ولكن الأشياء تنقلب إلى المقلب الآخر. تنطلق الحكاية من جانيت (كريستين سكوت توماس) وبيل (الرائع تيموتي سبول). هذا المساء يستضيفان في بيتهما بضعة أصدقاء للاحتفاء بتسلّم جانيت منصباً مهماً في حكومة الظلّ. كلمة من هنا، إعلان موقف من هناك، وها إنّ الضيوف وصاحب الدعوة يصطدمون بعضهم ببعض، ليتبيّن في النهاية أنّ الروابط بينهم سهلة التحطيم.
الفيلم كلّه يحدث في منزل الزوجين، وهو يغدو بديلاً من المطعم في "العشاء". اختارت بوتر، في فيلمها العاشر، خيار الأسود والأبيض لسبب لا نعرفه، ربما لتعزيز الجانب المسرحي للنصّ والبقاء بعيداً من الواقع. كلّ شيء يتعاظم مع بيل الذي يعترف بأنه مريض في مرحلة نهائية وأنّ أيامه معدودة. فهذا الاعتراف سيكون بداية سلسلة من الحقائق ستظهر إلى العلن وتغيّر من مزاج الفيلم الذي، على الرغم من كلّ شيء، سيبقى لطيفاً ولن يبلغ البتة درجة السواد التي في "فستن" لتوماس فينتربرغ. "الحفل" صُوِّر أثناء التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. في أي حال، يحمل الفيلم مؤشرات زمن مضطرب أو استشفاف لزمن مقبل. زمن بلا أمل نشهد فيه "نهاية الديموقراطية"، كما تقول إحدى الشخصيات.
■ ■ ■
تواصل حضور الزمن المضطرب في برلين مع حكاية عبثية، ظريفة جداً، جاءنا بها فنان الكاباريه الممثل الفكاهي جوزف هادر في أول أفلامه كمخرج، "فيلده ماوس". الفكاهة هنا هي الطاغية. جورج ناقد موسيقي (يضطلع بدوره المخرج نفسه) يعمل في صحيفة معروفة ومنتشرة منذ ربع قرن. يبدأ الفيلم مع مشهد صرفه. مشهد كان ليُمسي مأسوياً لولا لمسة هادر السينيكية التي تضع الأشياء في نصابها منذ البداية، لتحدّد اللون الذي سيطغى على العمل، مع ردّ فعل ناقدنا أمام ربّ عمله: "قرّائي سيعترضون". فيأتي الجواب ليقضي عليه كلياً: "أشكّ. معظمهم ميت"! بقية الفيلم تتبلور وفق منطق مشابه: كلّ حلّ سيجده هادر للخروج من مأزقه بشكل لائق ستُقابله مشكلة. إلاّ أنّ هاجسه الأكبر الذي سيجلب للفيلم الكثير من العبثية واللامنطق والـ"بورلسك"، هو تصميمه على الانتقام من ربّ العمل الذي استغنى عنه مستبدلاً إياه بصحافية أصغر سنّاً وأقل تكلفةً. في البداية، يُخيّل لنا أنّ الفيلم سيتّجه إلى محاصرة جورج في أزمة منتصف العمر، فتتحوّل القضية قضية تعاطف وذرف دموع على مصير رجل ضحّى ولم يكافأ. يتبيّن بسرعة أنّ تلك ليست وجهتنا. فالكوميديا السوداء ذات المزاج المتقلّب هي الحاكمة هنا، هي التي بخبثها تكشف وجهاً آخر من وجوه الحياة البورجوازية الصغيرة في النمسا، التي ستُصاب بخلل مفاجئ في تركيبتها نتيجة حدث يهدّد استمراريتها.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard