برلين 67: لجوء وحبّ واضطهاد في دورة لم تكشف بعد عن فيلمها الأعظم

17 شباط 2017 | 00:30


متحوّلة جنسياً في سانتياغو، حبٌّ ديكورُهُ مسلخ في بودابست، معاناة لاجئ في هلسنكي، جاز ونازية في باريس الأربعينات، ناقد يفقد عقله في فيينا، هذا بعض ما قدّمته مسابقة الدورة السابعة والستين لمهرجان برلين السينمائي منذ افتتاحه الخميس الماضي. لا يزال هناك الكثير من الأعمال التي في انتظارنا (سنعود إليها في صفحة الاسبوع المقبل)، لكن معظم ما شاهدنا إلى الآن يتراوح بين المتوسط والجيد مع بعض الأعمال الممتازة. في المقابل، ما من تحفة سينمائية ستخلّد ذكرى دورة يترأس تحكيمها المخرج الهولندي بول فرهوفن.

"جسد وروح" للمجرية إيلديكو انييدي فاز بإعجاب كبير في الدورة السابعة والستين من مهرجان برلين السينمائي (9 - 19 الجاري) الذي يوزّع جوائزه بعد غد. هناك في هذا العمل اللطيف ما يحرّك الأحاسيس. تتمحور الحوادث على شخصين، أقل ما يقال في شأنهما إن حلماً مشتركاً يصلهما. كلّ ليلة (أو تقريباً)، يظهر لهما الحلم عينه. إنهما على موجة واحدة في لاوعيهما، إلا أن الأشياء في الحياة اليومية لا تجعل اللقاء بينهما سهلاً ومتناغماً، فما بالك إذا كانت قصة الحبّ الناشئة تجري في مسلخ، هذا المكان الصريح بوضوحه، حيث لا بين بين.
نصّ انييدي يغرق في تفاصيل الطبيعة الآدمية المعقّدة. ولكن لا شيء هنا يتحوّل درساً أو خطاباً. المخرجة تطرح نفسها مراقبة للأهواء البشرية لا واعظة. يتمركز فيلمها على اللقاء بين روحين يتيمتين تعانيان "اعاقات" ندعكم تكتشفون طبيعتها. إنهما كمَن يعيشان رغماً عنهما، ميتان مع وقف التنفيذ! هو رجل ستيني يعمل مديراً مالياً في مسلخ. هي موظفة شابة عُيِّنت حديثاً في المسلخ عينه. مهمتها المراقبة، وهي وظيفة سينمائية بإمتياز. لا حدود لصرامتها وإلمامها بالتواريخ وغموضها وانطوائيتها المرضية. هذا كله يولّد لدى اندره فضولاً بالغاً للدخول في عالمها وهو تجاوز سنّ المغامرات. لكن الأمور ستأخذ منحى جدياً عندما تحدث سرقة في المسلخ، فيخضع الموظفون الى تدقيق بسيكولوجي يظهر على اثره ان للاثنين عقلاً باطنياً متشابهاً إلى درجة مثيرة للقلق.
في حين ان مشهد الغزالين الذي يجسّد الحلم يعود بإستمرار كلازمة لن تتوضح وظيفتها إلاّ بعد فترة، فما سنتابعه طوال ساعتين في سياق من الغنى البصري النادر هو يوميات المسلخ وتطوّر العلاقة بين أندره وماريّا، وصولاً إلى ذروة الأسئلة التي ينشغل بها الفيلم: هل التشابه يجمع الشخصين أو يفرّقهما؟
الحياة المهنية التي يغرق فيها البطلان توثيقٌ بالغ الدقّة. يتلافى النصّ كلّ الفخاخ، من مثل الشرح والتبسيط وعرض جوهر الفيلم (تكامل الجسد والروح) على بساط البحث. هذا فيلم مشاعر بسيطة نلتقطها بدوافعنا الخاصة، تتشكّل من همسات وحالات نفسية ترتقي بأصحابها، فيه الكثير من الجمال والدفء والطرافة والمواقف المتأصلة في الواقع المجري اليومي. اغواء، كبت، تماس، هشاشة، تجاذب، عزلة، اعاقة... هذا كله يشكّل أرضاً متينة تبني عليها أنييدي عملاً شاعرياً، مشوّقاً في بعض فصوله، عمّا يبدو لوهلة إنه عن العلاقات بين الرجال والنساء. إلا اننا نحن هنا أمام شخصين كلّ منهما مختلفٌ على طريقته، يتشابهان بهذا الاختلاف عن بقية الناس.
فيلم آخر هتفت له القلوب في الـ"برليناله" هذه السنة: "امرأة رائعة" للتشيلياني سيباستيان ليليو. الحكاية بسيطة جداً: مارينا (دانيال فيغا) مغنية غير مكرّسة تخرج مع أورلاندو (فرنسيسكو رييس)، صناعي يكبرها بسنوات، وهما يخططان للعيش معاً، بعدما تخلّى الرجل عن زوجته وأولاده من أجلها. إلا ان موته المفاجئ يضع ماريا أمام واقع جديد تجهل كيف تتعامل معه. فهناك من جهة رجل عليها أن تصون ذكراه، ومن جهة أخرى تخاصم عائلته التي يريد ابعادها بأي ثمن، وخصوصاً انه يتبين ان مارينا رجل تحوّل امرأة. هويتها الجنسية تجعل أصابع الاتهام بقتل أورلاندو تتجه إليها فوراً، فتصبح الفتاة الرقيقة والعاقلة في موقع محرج، اذ يجب عليها أن تثبت صدق مشاعرها تجاه الراحل. مرة بعد مرة، يتحوّل الشيء إلى مهانة واذلال ممنهج.
ليليو سبق أن برع في تصوير بورتريه سيدة: غلوريا في الفيلم الذي حمل اسمها، وفازت عنه باولينا غارثيا بجائزة التمثيل في برلين. لا تختلف الحال في فيلمه الخامس هذا، بحيث أسند الدور إلى الممثلة المتحولة الجميلة دانيالا فيغا في أول وقوف لها أمام الكاميرا. إنها عودة إلى حكاية التهميش الاجتماعي عينه في المجتمع اللاتيني، إلا ان وجه ذلك التهميش أوضح هنا وأكثر صراحة، فمَن تتعرض له هي ضحية جاهزة. ليليو يعالجه برقة كبيرة. بحميمية بالغة يرسم تفاصيل نضال مارينا، وغالباً يمرر الأفكار على نحو يمنحنا الانطباع بأن هناك شيئاً يتسرب إلى الفيلم. لن تُعطى مارينا فرصة لتضميد جراحها لا بل لتعيش حدادها كما يجب، فهي تجد نفسها بسرعة وسط معركة يفترض بها خوضها.
من هي مارينا؟ في العنوان جزء من الجواب. ولكن، هذا سؤال لن يطرحه أحد من أفراد عائلة أورلاندو (ما عدا شقيقه) الذين، يواجهونها بعدائية نادرة. يكتفي هؤلاء بما عرفوا عنها، ومثلهم المحققة التي تستجوبها والتي لديها من الوقاحة ما يسمح لها بعدم الخروج من غرفة الطبيب خلال جلسة كشف عليها. من الصعب عدم استحضار روحية ألمودوفار. التقارب ملموس مع عمل المخرج الاسباني، سواء باستعماله الألوان الصارخة (من أحمر وأزرق) أو نظرته إلى الأسى أو مقاربته للوحدة والعزلة أو انغماسه في الميلودراما. إلا ان ما يعطي الفيلم نبرة خاصة هنا هو برودة أعصاب الشخصية الرئيسية وطبعها الهادئ في التعامل مع الحوادث المتعاقبة.
الفنلندي آكي كوريسماكي وفيلمه الجديد "الجانب الآخر للأمل"، هما أيضاً مرشّحان جديّان لـ"الدبّ". هي حكاية عادية للاجئ سوري إذاً يصل إلى هلسنكي على متن باخرة، بعدما طمر نفسه في الفحم. ولكن مع كوريسماكي لا شيء عادياً، فهو بليغ في قدرته على جعل الآخرين يطبّعون معه ومع عالمه السينمائي. الوافدون الجدد يتحرّكون مثلما تحرّكت دائماً شخصياته داخل الكادر تاركين مسافة بين الفعل وردّ الفعل. هناك في طبيعة الحال، كلّ تلك الأشياء التي حفلت بها أفلامه: أثاث البيوت الكيتش والعتيق، الذي أكل عليه الدهر وشرب، الوجوه الحائرة المترددة، الكادر الخانق، الأجواء الرمادية الكئيبة. إلى هذا الديكور، يدخل خالد حسين، الشاب السوري الذي هرب من مدينته حلب، بعدما قضت كلّ عائلته ما عدا اخته التي فقد كلّ أثر لها. بعد فترة من الإنتظار في المخيم، تضعه المصادفة على طريق رجل غريب (سكاري كيوسمانن) افتتح لتوه مطعماً. لكم أن تتخيلوا ماذا سيفعل كوريسماكي بهذا كله، وأي معزوفة "شاذة" سيؤلفها انطلاقاً من نوتات موسيقية يعرفها غيباً. هو الذي يحلم بعالم أفضل...
استناداً إلى تيمة تعزّ عليه، وهي التكاتف البشري، يصوّر كوريسماكي شخوصاً تتساوى أحوالهم، وإن أتوا من بيئات مختلفة. في مقدّمهم تاجر القمصان الذي يترك زوجته (هي أيضاً تحلم بالرحيل إلى مكان آخر)، ليبدأ حياةً جديدة ومهنةً أخرى (المطعم)، تماماً كاللاجئ الذي يحاول البدء من الصفر. في ظلّ تلكؤ السلطات لإعطاء خالد صفة اللاجئ واعتبار سوريا مكاناً آمناً (رغم أننا نرى التلفزيون الفنلندي يقول عكس ذلك)، يصبح المطعم مكان شراكة وتعاون وتضامن، ولكن ليس من دون أن يطعّم كوريسماكي فكرته الصغيرة عن التضامن البشري بالمواقف الهزلية المينيمالية المتأصلة في "هيومر" شمال أوروبي تفوح منه رائحة الخمر. اللافت ان معلّمنا الفنلندي، الحنون إلى أقصى درجة مع شخصياته، يجد الحكاية المناسبة ليجري توازناً ينصف كلّ الأطراف. فمقابل العنصريين الذين يتعرّضون بالأذى إلى خالد، هناك مَن يتضامن معه ويساعده للبقاء في فنلندا. هؤلاء أبطال رغماً عنهم في سينما كوريسماكي. هذا جوهر الفيلم الذي لا يخفي إلتزامه قضية الساعة، إلا ان كوريسماكي يعرف جيداً كيف يبتعد عن الخطاب ليقدّم سينما كاملة متكاملة. والتشابه في الحال بين السوري والفنلندي يبلغ ذروته في مشهد المقامرة، عندما يضع الفنلندي الذي ملّ واقعه كلّ مستقبله على الطاولة ويراهن عليه، خطوة مشابهة لما فعله خالد عندما قرر المخاطرة والرحيل. من دون إيمان كبير في الانسانية التي يذكّرنا بضرورة العودة إلى قيمها السامية، يدعو كوريسماكي إلى التقاط بعض أشعة الضوء التي تتسرب من الظلام. وهو في ذلك شاعرٌ وسياسي!
في المؤتمر الصحافي الذي عقده كوريسماكي في برلين بعد ظهر الثلثاء، سأل: "أين راحت انسانيتنا؟"، قائلاً إنه ينوي بهذا الفيلم أن يغيّر العالم ويغيّر المناخ المعادي للمهاجرين السائد في أوروبا، وهو مصمم على هذا "حتى لو شاهد فيلمه ثلاثة أشخاص". لعل أهم ما قام به كوريسماكي في هذا الفيلم هو اعطاء وجه وصوت وتفاصيل حقيقية للاجئ، طارحاً إياه باعتباره شخصاً عادياً يفرح ويحزن ويحاول الانتقال إلى الجانب الآخر للأمل. ببساطة: كائن لا يبحث إلاّ عن حياة كريمة وهي حقّ الجميع.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard