استدراج العنف أو النجاح الانتحاري لـ"الإخوان المسلمين"

30 تموز 2013 | 00:00

كمْ كان طارق البشري، الشخصية السياسية والأكاديمية المحترمة من كلّ الأفرقاء، مُصيباً ونفّاذاً يوم السبت المنصرم عندما ذكّر بأن ثورة العام 1919 السلمية ضد الاحتلال الإنكليزي والتي عزّزت الاستقلال الوطني المصري ألْهمتْ المهاتما غاندي زعيم أشهر حركة لاعنف في العالم

العنف الذي نشهده في شوارع القاهرة وقبلها الاسكندرية ومناطق أخرى ليس عنفَ المجتمع المصري بل هو فعلُ عنفِ تنظيمٍ سِرّيٍّ يستخدم غطاء جمهوره، وردّ فعلٍ هو عنفُ الدولة. كلاهما ليس جديداً. لكنه يدخل مع قرار "جماعة الإخوان المسلمين" الانتحاري بالرهان على عدم الاستقرار في مصر مرحلة مكشوفة الأهداف السياسية.
ستنتصر الثقافة السلمية العميقة للمجتمع المصري في نهاية الأمر. هذا ليس مجرّدَ رهانٍ بل هو واقعُ إرادةٍ على المستوى الوطني تجسّده النخب المصرية.
قياساً على الاضطرابات الأخيرة الجارية بات يمكن تقسيم تاريخ "الإخوان المسلمين" إلى ثلاث مراحل: الأولى أيام التنظيم السرّي العنفي والثانية عندما سادت الاستراتيجية السلمية المترافقة مع "التقيّة" في نشاطهم السياسي والثالثة بدء العنف الشارعي الذي تمارسه "الجماعة" حاليا وتنجح في توريط القوى الأمنية المصرية به والذي بدأته عمليا بعد ثورة 25 يناير ولاسيما بعد تولّيها السلطة في العام المنصرم.
... نجح "الإخوان" في خلق المناخ الدراماتيكي والخطر ولكن أيُّ نجاحٍ بائسٍ هو هذا النجاح في عدم الاعتراف بوجود أكثرية شعبية باتت ضد ما يمثّله "الإخوان" الذين يستندون على أقلّيةٍ كبيرة.
دعكَ من تبادل الاتهامات بين الفريقين السياسيّين الرئيسيّين حول من يتحمّل مسؤوليّة العنف ولْنقرأْ سياسياً ما حدث دون دخول في المتاهات الأمنية غير الواضحة لأن المنطق السياسي في الأسئلة يسمح بإجابات "أوضح":
من المستفيد المباشر من سقوط الضحايا في الشارع المصري في اللحظة الراهنة للصراع السياسي؟
الجواب واضح ولا يحتمل أيّ التباس: "الإخوان المسلمون".
من الذي يستفيد من جعل الحشد الشعبي الضخم الذي تفوّق بوضوح على حشد "الإخوان" في 30 يونيو ثم في 26 يوليو على هامش الاهتمام عبر الأحداث الدامية التي استقطبت الاهتمام العالمي والعربي والمصري الأساسي... من المستفيد من هذا الانتقال؟
الجواب واضحٌ ولا يحتمل أيّ التباس: "الإخوان المسلمون".
المكان الوحيد الذي لا يمكن الشك لحظةً واحدةً أن الجيش يخطّط ويبادر لتنفيذ عمليّات عسكرية فيه هو صحراء سيناء حيث يتهدّد الأمن المصري بما هو تهديدٌ سياديٌّ على يد جماعات تكفيرية وإرهابية. هناك نَعَمْ... الجيش المصري بدأ حربا كاملة ويجب أن يبدأها كما يجب أن تبدأها كل دولة تواجه حالة اعتداء مباشر على مراكزها العسكرية والأمنية.
بعض الخلفية التاريخية هنا ضروري:
من الثابت أن الجماعات الجهادية التي استخدمت الإرهاب في مصر في مراحل مختلفة كانت وليدة "جماعة الإخوان المسلمين" سواء بالانشقاق عنها كـ"الجماعة الإسلامية" في عهدي الرئيسين أنورالسادات وحسني مبارك أو بالعمل من داخل التنظيم "الإخواني" كما في العهد الملكي وعهد الرئيس جمال عبد الناصر. وقد لاحظ صحافي مصري شابٌ مؤخّرا أن الجماعات السلفية في مصر، خلافا لمعظم الأمكنة الأخرى في العالم العربي والمسلم، ليس لديها تاريخ عنفي بالمعنى الذي تُعرَف به "السلفية الجهادية" في بلدان أخرى. طبعا بعض هذه الجماعات كان في عهود سابقة غير مسيّس وبعض هذه السلفية مرتبط بـ"الدولة" أما الأجيال المسيّسة الجديدة كما هو معروف فعلى صلة بالمملكة العربية السعودية تمويلاً وتوجيها.
لهذا، "الإخوان المسلمون" المصريون وبسبب ظروف وضعهم المعارض، أفرزوا دائما حالات عنفية تبلغ اليوم ذروتها. والبعض الآخر يقول أن العنف جزءٌ تكوينيٌّ في بنية جماعة "الإخوان".
خرج "الإخوان" بشكلٍ متدرّج من "التقيّة" التي مارسوها أو أجبِروا على ممارستها طويلا. لكنهم الآن يجرّون البلاد بكاملها إلى محاولة تغيير جذريّة للتراث النضالي السلمي للحركة الوطنية - الديموقراطيّة المصرية. وكمْ كان طارق البشري، الشخصية السياسية والأكاديمية المحترمة من كلّ الأفرقاء، مُصيباً ونفّاذاً يوم السبت المنصرم عندما ذكّر بأن ثورة العام 1919 ضد الاحتلال الانكليزي والتي عزّزت الاستقلال الوطني المصري ألْهمتْ المهاتما غاندي زعيم أشهر حركة لاعنف في العالم وبتصريح المهاتما نفسه بسبب حصولها على مطالبها بوسائل سلميّة التفّ حولها الشعبُ المصري (ونضيف هنا أن توفيق الحكيم "أرّخها" في روايةٍ شهيرة حملت عنوان: "عودة الروح").
صحيح أن الدكتور البشري عندما أدلى بكلماته هذه كان يشارك في مبادرة سياسية مع شخصيات وسطيّة مثله تُعتَبر صديقة لـ"الإخوان المسلمين" ومقبولة من المؤسّسة العسكرية، إلا أن أول من ينبغي أن يصغي إلى مضمون كلمات البشري هذه ويتّعظ بها هي قيادة "الإخوان" نفسها.

jihad.elzein@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard