"دجانغو" المضطهَد يفكّ أغلال مهرجان برلين هذا المساء

9 شباط 2017 | 00:00

"الجانب الآخر للأمل" لآكي كوريسماكي.

يترأس بول فرهوفن لجنة تحكيم المسابقة الرسمية لمهرجان برلين (الـ"برليناله") هذه السنة (9 - 19 الجاري). الهولندي الكبير الذي استُبعد تماماً من لائحة جوائز كانّ الماضي بفيلمه الجميل "هي" (نال الـ"غولدن غلوب" في فئة الفيلم الأجنبي وجوائز أخرى)، يعود ليكون القاضي في التظاهرة السينمائية الألمانية التي، تاريخياً، لمّت شمل مدينة مشطورة شطرين. الخاضع لحكم الآخرين هناك، سيكون إذاً الآمر الناهي هنا.

هذا أحد تجليّات الصراع غير المعلن بين المهرجانين اللذين طالما تخاطبا ووجّه أحدهما رسالة إلى الآخر برموز مبطّنة، سواء من خلال الأفلام أو التكريمات أو القامات الكبيرة التي يتم استضافتها. حتى ان الـ"برليناله" دائماً ما اعتبر نفسه المعقل الحقيقي للفيلم، مع أكثر من 300 فيلم في برنامجه الضخم، تُعرض في مدينة عدد سكّانها ٣ ملايين ونصف مليون نسمة، في حين يعطي منافسه الفرنسي الشعور (غير الحقيقي) بأنه حدث يدور حول السجّادة الحمراء. إلا ان معاينة دقيقة لبرنامج المهرجانين في السنوات الأخيرة، تؤكد ان أهم الأفلام لم تخرج من عباءة برلين، بل من كانّ، لا بل لم يحالف الألمان الحظ في استقطاب أحدث أعمال السينمائيين الكبار. وهذا ما تقوله أيضاً تشكيلة المدير ديتر كوسليك وفريقه هذه السنة: 18 عنواناً في المسابقة، أكثرها لسينمائيين إما غير معروفين وإما لم تترك أعمالهم الأخيرة أثراً كبيراً عند السينيفيليين. هذا بالتأكيد انطباعٌ أول في انتظار المشاهدة. فالاطلاع على العناوين النائمة على الورق يختلف جذرياً عن لحظة تجسيدها على الشاشة، وقد يأتي الحكم عليها نقيض الانطباع، اذ قد نكون أمام تشكيلة تنحصر في اكتشافات ثمينة، بعيداً من الوجوه الفيلمية المعروفة.
حتى الافتتاح ليس بفيلم نجوم منتظر في العالم بأسره، كما اعتدنا في افتتاحية المهرجانات الكبيرة. فالدورة الـ67، تُدشن هذا المساء بـ"دجانغو"، فيلم فرنسي لأتيانّ كومار، عن العازف الشهير دجانغو رنهاردت، مؤسس الجاز الغجري في العالم. الفيلم سيرته وسيرة عائلته التي اضطهدت على يد النازيين الألمان بسبب أصولها التي تعود إلى جماعة ما يُعرف في فرنسا بالـ"مانوش". نتيجة هذا، يضطر رنهاردت إلى الهرب من باريس التي يحتلّها النازيون في العام ١٩٤٣. اختيار فيلم كهذا للافتتاح يعكس مرة جديدة ميل الـ"برليناله" إلى الضرب في وكر الذاكرة. الفصول السوداء في التاريخ الأوروبي كثيرة و"برلين" يحبّ انعاشها، وخصوصاً ان الحوار بين الماضي والحاضر في السينما أضحى من الأشياء الدارجة في زمن يسود فيه اضطهاد الأقليات. "دجانغو" أول فيلم روائي طويل يخرجه كومار، لكنه سبق ووقّع سيناريو "رجال وآلهة" لكزافييه بوفوا العام 2010.
كان ديتر كوسليك وضع المهرجان العام الماضي تحت شعار "الحقّ في أن نكون سعداء"، ورسم خطوط مشروعه حول أزمة اللاجئين. في لقاء مع "النهار"، سألناه إذا كان وصف المهرجان بأنه مسيّس، يعتبر توصيفاً دقيقاً، فكان ردّه: "هذا التوصيف دقيق وليس دقيقاً. تأسّس المهرجان خلال الحرب الباردة العام 1951، وهذا الادعاء أنه مهرجان سياسي يتأتى من كون برلين كانت دائماً عاصمة للسياسة، وخصوصاً في كلّ ما يختصّ بالعلاقات بين الغرب والشرق. أحد المبادئ التأسيسية لهذا المهرجان هو خلق تفاهم بين البشر. قبول الآخر والتسامح ركيزتان هنا. يا للأسف، هذا الكلام اليوم يُصنَّف في إطار السياسة. ما إن تنطق بإحدى تلك المفردات، حتى تُتهَّم بالتدليس السياسي. هذه أمور يجب أن تكون طبيعية في عالمنا، لكن عالمنا ليس في وضع جيد. في هذا المعنى، نعم، نحن مهرجان أكثر ميلاً للسياسة مما هي حال المهرجانات الأخرى".
من الأسماء الكبيرة التي اعتادت تسلّق سلالم كانّ وسنشاهد جديده في برلين: الفنلندي آكي كوريسماكي الآتي بـ"الجانب الآخر للأمل". التريللر الذي نُشر على الشبكة في أواخر العام الماضي يظهر مغامرات لاجئ يصل إلى هلسنكي، ثم في نهاية التريللر نسمعه يقول لأحدهم بالعربية: "أنا كتير حبّيت فنلندا، بس إذا بتلاقي لي شي طريقة أقدر أهرب من هدا البلد، بكون كتير ممنونك". محتمل أن يكون كوريسماكي، الغائب عن الاخراج منذ ستة أعوام والغارق في أشيائه، من القلائل القادرين على اثارة السخرية والضحك من خلال موضوع مأسوي كالهجرة واللجوء.
مخرج كبير آخر، سنّاً وقيمة وتجربة، هو فولكر شلوندورف يشارك في المسابقة بـ"عودة إلى مونتاك". الفيلم عن ماكس (ستيلان سكارسغارد)، الكاتب الستيني الذي يعود إلى نيويورك بهدف اللقاء بعشيقة (نينا هوس) كان أحبّها قبل سنوات اثر جولة أدبية له. تنويعات على موتيف السعادة والألم الذي يرافق الذكريات. ليس بعيداً من ألمانيا، تأتينا المخرجة البولونية الكبيرة أنييشكا هولاند بفيلم "بوكوت"، هي التي انشغلت منذ مطلع العقد الحالي بالمسلسلات التلفزيونية. يروي جديدها حكاية عرافة تعثر في أحد الأيام على جثة جارها بين الثلوج، فتكون الحادثة مقدمّة للمزيد من الحوادث المشابهة، إلى أن تصل اصبع الاتهام إليها. الفيلم من نوع الثريللر الانقلابي، كما يقول الملف الصحافي، تدور وقائعه في بريّة تشهد تناوب المواسم، إلا ان "الجمال العذري للطبيعة لا يمكنه أن يخفي طبيعة البشر الفاسدة".
الروماني كالين بيتر نيتزر فاز العام 2012 بـ"دب" برلين مع فيلمه "حالة طفل"، وها انه يعود إلينا هذا العام بـ"آنّا، مون أمور" عن توما وآنّا اللذين يلتقيان في الجامعة ويقع أحدهما في حبّ الآخر، قبل أن تجرفهما الأمراض النفسية في مأزق الوجود. الفيلم حافل بالفلاشباكات تضعنا في صيغة حكائية على شكل بازل، كاشفةً محرّمات المجتمع الروماني المعاصر. أما الكوري الجنوبي، هونغ سانغ سو، فيعود بـ"وحيداً على الشاطئ ليلاً"، ليتابع مغامرته السينمائية خارج كلّ التجارب السائدة في السينما الحالية. بعد علاقة مع رجل متزوج، تقرر الممثلة المكرّسة يونغي أن تبتعد عن الأضواء، فتسافر إلى هامبورغ حيث ستتسنى لها مراجعة أحاسيسها. الحبّ ومعانيه هما من أبرز التيمات في أفلام هذا المخرج الذي سبق أن قدّم أفلاماً جميلة مثل "في بلادٍ آخر" و"اليوم الذي جاء فيه".
من اسبانيا، يأتي الموهوب أليكس دو لا إغليزيا بـ"البار". يبدأ الفيلم ذات صباح في مدريد، عندما يتم اطلاق النار على رجل خرج للتو من مقهى بعدما تناول فطوره، ما يثير الذعر في المكان، وتبدأ على إثره سلسلة حوادث تجعل الموجودين يسألون ما الذي يحصل ولملذا اختفى المارة فجأة وهل القاتل داخل البار، وخصوصاً انه يمكن أن يكون القاتل والضحية التالية، داخل الجدران حيث وقعت الجريمة. دو لا إغليزيا الذي قدّم سابقاً أفلاماً غرائبية يصوّر هنا مجموعة ناس يجدون أنفسم في حالة قصوى تجعلهم يكتشفون مَن هم في الحقيقة، ضمن عمل يترجّح بين الثريللر والكوميديا السوداء.
الأميركي ستانلي توتشي يحملنا مع "بورتريه نهائي" إلى مشغل الرسّام والنحّات السويسري ألبرتو جياكوميتي، قبل عامين من وفاته. في فيلمه الخامس كمخرج، يرينا كلّ تناقضات العبقري وهو ينتج فنه، مستنداً إلى سيرة وضعها جيمس لورد في عنوان "بورتريه لجياكوميتي". في المقابل، يشارك التشيلياني سيباستيان ليليو بـ"امرأة رائعة". في العام 2013، اكتشفنا لهذا المخرج في برلين "غلوريا"، وهو فيلم بديع فازت عنه الممثلة باولينا غارثيا بجائزة التمثيل. جديده يتمحور أيضاً على امرأة اسمها مارينا مغرمة برجل يدعى أورلاندو يكبرها عشرين سنة وهي تخطط للعيش معه وتمضية باقي عمرها برفقته. هي تعمل نادلة وتعشق الغناء. عشيقها ترك عائلته من أجلها. كلّ شيء على ما يرام إلى اليوم الذي يموت فيه أورلاندو، فتستبعدها عائلة الأخير عن مأتمه وكلّ خصوصياته، ذلك إنها تكتشف أن مارينا متحوّلة جنسياً. أخيراً، سيتسنى لجمهور الـ"برلناله" مشاهدة تتمة "تراينسبوتينغ" للبريطاني داني بويل، الفيلم الذي شهره في أواخر التسعينات، وأيضاً "القابلة" للفرنسي مارتان بروفو الجامع للـ"كاترينين" (دونوف وفرو)، فيتابع المخرج شغله في رصد حيوات نساء "مختلفات" على الشاشة.

عن العرب في برلين: "لسنا في منأى مما يحصل"!
للعرب حضورٌ مهم هذه السنة في برلين، أسوة بالسنوات القليلة الماضية. هناك تكريم للناقد المصري سمير فريد (1943)، وهو من أوائل العرب الذين غطّوا المهرجان، هذا بالاضافة إلى وجود ثلاثة أسماء عربية في لجان التحكيم: المنتجة درة بوشوشة (المسابقة الرسمية)، والسعودي محمود صباغ (لجنة تحكيم الفيلم الأول)، الذي شارك العام الماضي في برلين بـ"بركة يقابل بركة"، والعراقي - السويسري سمير جمال الدين (لجنة تحكيم الفيلم الوثائقي).
في قسم الـ"بانوراما"، ثاني أهم الأقسام بعد المسابقة الرسمية، نجد جديد الجزائري المخضرم مرزاق علواش المعنون "تحقيق في الجنة"، و"اصطياد أشباح" للفلسطيني رائد أنضوني (صاحب "صداع")، وأخيراً وليس آخراً، "ضربة في الرأس" للمغربي الموهوب هشام العسري، الذي يعود إلى برلين للمرة الثالثة، ولكن للمرة الأولى في عرض عالمي أول.
ويشهد قسم "فوروم" لمحطات من تاريخ السينما المغربية، من خلال أفلام طبعت تاريخ تلك السينما، مثل "نجمة" و"حلاق درب الفقراء" و"اليام اليام" و"السراب" و"عبور الباب السابع". نجد في القسم نفسه أيضاً "ثورة حتى النصر" للفلسطيني مهند اليعقوبي، وفيلم وثائقي مشترك للمصريين مروان عمارة واسلام كمال في تجربة أولى لهما، وفيلم "صيف تجريبي" الوثائقي الأول للمصوّر والمخرج المصري محمود لطفي، و"جسد غريب" للتونسية رجاء عماري، و"بيت في البوادي" للمغربية تالة حديد، و"ليس كل يوم ربيع" للبناني هايك أيفازيان، و"سكون السلحفاة" لروان ناصيف، و"شعور أكبر من الحب" للبنانية ماري جرمانوس سابا. في فئة الأفلام القصيرة، نجد "شارع الموت" للبناني كرم غصين.
في لقاء مع "النهار"، العام الماضي، حول تعزيز مكانة السينما العربية في برلين، قال ديتر كوسليك: "في الحقيقة، اهتممنا دائماً بهذه الأفلام، ولكن عددها زاد بعد الثورات، لأنّ الاهتمام الدولي بها ازداد. عاماً بعد عام، باتت الأنظار تتوجه الى البلدان العربية وما يحصل داخلها. هذا جعلنا نهتمّ بها أيضاً. نحن لسنا في منأى مما يحصل في العالم".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard