تقرير العفو الدولية قبيل مفاوضات جنيف... أي فاعلية لحل لا يلحظ مرحلة انتقالية؟

9 شباط 2017 | 00:00

(أ ف ب).

لم يثر ما كشفته منظمة العفو الدولية التي تتخذ لندن مقرا لها من ان القوات السورية أعدمت 13 الف سجين شنقا في عمليات اعدام جماعي، ومارست تعذيبا ممنهجا في سجن صيدنايا العسكري قرب دمشق، وهي عمليات ترقى الى أن تكون جرائم حرب وقعت بين 2011 و2015، وربما لا تزال تحدث ردود فعل كبيرة باستثناء موقفين لافتين لكل من وزيري الخارجية البريطاني والفرنسي بوريس جونسون وجان مارك ايرولت، يحملان فيهما الرئيس السوري بشار الاسد مسؤولية هذه الوحشية وانه لا يمكن ان يكون له مستقبل في سوريا. التقرير في فظاعة مضمونه يوازي مستوى الصور التي سربت عام 2014 من منشق عن الشرطة العسكرية التابعة للنظام السوري كان مكلفا تصوير المعتقلين المعارضين الذين قتلوا تحت التعذيب، وهي صور تثبت مقتل 11 الف سوري جوعا وتعذيبا في أقبية سجون الاسد، وقد شكلت هذه الصور طويلا معرضا في مبنى الامم المتحدة كما في الكونغرس الاميركي. الفارق اليوم هو وضع الاسد والموقف منه الذي تبدل من المطالبة برحيله كجزء من الحل في التقرير السابق، الى الصمت على استمراره راهنا مع تدعيم روسيا هذا الاستمرار بمساعدته في استعادة السيطرة على بعض المدن. ولعل عدم القدرة او عدم الرغبة في الانشغال دوليا بمصير سوريا او بالبحث عن حل لازمتها في ظل السيطرتين الروسية والايرانية، يخفف وطأة التعليقات على تقرير منظمة العفو الدولية، انطلاقا من ان تقرير المنظمة يكشف جرائم حرب تحتم تحمل المجتمع الدولي مسؤوليته واحالة النظام السوري على المحكمة الدولية، وليس جلوسه الى طاولة للتفاوض على بقائه على الاقل حتى نهاية ولايته الحالية. ومعلوم أن الامم المتحدة تملك ما يلزم من اثباتات في استخدام النظام الاسلحة الكيميائية ضد شعبه، من دون أن يستطيع مجلس الامن أن يصدر قرارا ضد النظام نتيجة الفيتو الروسي، كما لا يزال أمام مجلس الامن موضوع قصف قافلة المساعدات الانسانية العام الماضي، والتي تقع مسؤوليته على النظام وفق ما خلصت التحقيقات التي أجريت، ورفض روسيا اتخاذ اي اجراءات ضد النظام ملوحة دوما باستخدام الفيتو. وسبق لمنظمة العفو الدولية أن اصدرت في تشرين الثاني 2015 تقريرا ذكرت فيه ان النظام يتحمل مسؤولية اختفاء 65 الف سوري منذ بداية الحرب السورية.

بين المدافعين عن النظام من يعتبر ان صدور التقرير في هذا التوقيت يستهدف المفاوضات المرتقبة في جنيف لاحقا هذا الشهر، وهو امر مماثل الى حد بعيد لصدور ما بات يعرف بتقرير "سيزار"، وهو الاسم الذي اطلق على التحقيق الذي أجرته لجنة حقوقيين وخبراء دوليين كلفتهم الامم المتحدة في 2014 التحقيق في الصور التي وثقها الضابط السوري المنشق. اذ صدر "سيزار" قبل يوم واحد من انطلاق مفاوضات جنيف التي عرفت بمؤتمر جنيف 2 يومذاك. والتقرير الجديد الذي وثقته منظمة العفو الدولية يفترض من حيث المبدأ ان يحرج رعاة النظام امام الرأي العام الخارجي، ولا سيما روسيا وايران ازاء الدفاع عن استمرار نظام والعمل من اجل فرضه. فمن غير المحتمل إقناع السوريين باستمراره أو بقبولهم بالانضواء تحت سيطرته بصلاحياته المعروفة او بصلاحيات أقل في ظل ما هو موثق عن ممارساته الفظيعة ضد السوريين المعارضين، حتى لو ان الحرب يمكن ان تشهد فظائع كثيرة، لكن الامر مختلف عن المعارك الحربية. والواقع أن مسودة الدستور السوري التي أعدها خبراء روس وعرضتها روسيا على وفد المعارضة السورية الذي شارك في مؤتمر أستانا أخيرا، لم تلحظ تغييبا للرئيس السوري عن رئاسة النظام. ومن شأن التقرير ان يحرج وفد المعارضة ايضا، ازاء احتمال قبولها بأي تسوية تتعلق ببقاء الاسد وعدم البحث في فترة انتقالية كما نص مضمون مؤتمر جنيف 1 في الاصل، علما انها قد لا تكون في الاساس في هذا الوارد. وهو ما من شأنه ان يعطيها ورقة قوة في يدها لجهة الاصرار على الحل الانتقالي، علما ان مراقبين كثرا يخشون الا تحسن المعارضة نتيجة انقساماتها توظيف ما يتاح لها توظيفه كما في مراحل سابقة.
إلا أن مفاعيل التقرير تبقى مؤثرة على الاقل في اتجاهات متعددة من بينها ما هو ابعد من المفاوضات المحتملة قريبا، انطلاقا من ان التفاوض يحصل مع قوى امر واقع من هنا او هناك. فهناك توثيق لجرائم من غير المستبعد، بل من المرجح أن تكون موضوع ملاحقة، إن لم يكن من المحكمة الجنائية الدولية لاعتبارات عدة فمن محاكم اخرى ما لم تلحظ عدم الملاحقة حصول تسوية سياسية كبرى تقضي بخروج النظام من دون ملاحقته على ما ارتكبت قواته في ظل رئاسته. إذ لا يمكن دول العالم، حتى لو تغيرت إداراتها وأبدت استعدادا لغض النظر او للقبول بأمر واقع معين، على ما قد يكون الحال مع عدم الاهتمام ببقاء الاسد في المرحلة الحالية، أن تتجاهل هذا التاريخ الموثق، وسيكون متعذرا على الدول المؤثرة ان تنفتح على النظام اقله امام الراي العام الداخلي المتعلق بها مباشرة، علما ان تجربة الدول الكبرى مع سوريا اظهرت انه يمكنها ان تغض النظر عن الكثير، اما لعجزها وإما خدمة لمصالحها. ولعل هذا ما يراهن عليه النظام في ظل انقلاب الوضع في سوريا لمصلحته بعد تدخل روسيا وإنقاذه من الانهيار، وبعدما باتت روسيا موجودة عسكريا في سوريا لحماية مصالحها.

rosana.boumonsef@annahar.com.lb

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard