هل انتقاده المتكرر لسياسة مصرف لبنان يوصله إلى سدّة رئاسته؟ هذا ما قاله يشوعي لـ"النهار"

16 كانون الثاني 2017 | 00:00

سياسة المركزي تمييزية متساهلة مع القطاع العام ومشددة مع القطاع الخاص.

في أيار المقبل تنتهي ولاية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، والمرشحون لتولي هذا المركز كثر منهم الخبير الاقتصادي الدكتور ايلي يشوعي الذي كثّف في الفترة الاخيرة انتقاداته سياسة المركزي الى حد اتهامه سلامة بتدمير الاقتصاد. فهل يستأهل الوصول الى مركز الحاكمية كيل مثل هذه الاتهامات، أم أن ثمة ما يستند اليه يشوعي يتوجب هذا الانتقاد؟.

ينكر يشوعي أن يكون هدفه من الانتقاد الوصول الى سدة رئاسة مصرف لبنان، ويؤكد أنه يرحب بأي مرشح يصل الى هذا المركز شرط أن يتبع السياسة النقدية، والتي تتجلى بالمساهمة في تحقيق نمو حقيقي للاقتصاد بواسطة النجاح في عرض النقد في الاقتصاد اي توفير السيولة اللازمة له. والنمو الحقيقي يفترض زيادة في حجم الاستثمار الداخلي والاستهلاك الفردي والصادرات وفرص العمل المتوافرة والقوة العاملة ودرجة انتاجيتها. ان تحفيز الاستثمار في العصرنة والمعلوماتية والاتصالات، وكفاية الاداريين في المؤسسات، وقدرتهم على تطبيق التكنولوجيات الحديثة، يقود الى رفع مستوى المعيشة وتطور نوعية الحياة في المجتمع". ويقول يشوعي: "يجب أن تساعد السياسة النقدية في تحقيق ناتج جيد وتحارب البطالة وتسيطر على التضخم من أجل المحافظة على استقرار سعر صرف العملة المحلية ضمن هوامش معقولة تضمن عملاً منتظماً لسوق القطع، أي حركة عرض وطلب للعملة المحلية والعملات الاجنبية تبقي سعر الصرف ضمن هوامش تقلب تضمن انتظام عمل سوق حقيقية للقطع في نظام اقتصاد حر، اي اقتصاد السوق والذي هو النظام الاقتصادي الدستوري للبنان".
ويتطرق الى سوق النقد التي "يديرها البنك المركزي وتفترض عرضاً للنقد وطلباً عليه يتولّد منهما ثمن للنقد أي سعر الفائدة. فالنظام المصرفي يعرض النقد في الاقتصاد، نقداً ورقياً مطبوعاً من البنك المركزي يشكل القاعدة النقدية الضرورية للعمل المصرفي، ونقداً دفترياً يتولد من القروض المصرفية. إذ أن كمية عرض النقد اللازم تؤثر على الفائدة الحقيقية المناسبة وتخفض البطالة وتحافظ على نسبة تضخم معتدلة، وعلى استقرار سعر الصرف وتزيد حجم الناتج اي حجم الاقتصاد". من هنا، يشير يشوعي الى "أن عرض النقد مسألة في غاية الاهمية والتأثير خصوصاً على سعر الفائدة، وبما أن الفوائد اصبحت من الاهداف الرئيسية للمصارف المركزية في العالم، زادت اهمية عرض النقد بناء على القواعد العلمية والعالمية للسياسة النقدية". لذا فإنه يعتبر "أن أي زيادة في عرض النقد يجب أن توازن بين زيادة الاستثمار المنتج وفرص العمل والاستهلاك، وأن لا تغذي اساساً الاستهلاك والريع على حساب الانتاج ومحاربة البطالة".
ولكن زيادة عرض النقد في الاقتصاد محدودة جداً في لبنان، إذ يشير يشوعي الى أن 80 مليار دولار من ودائع المصارف مودعة في البنك المركزي من أصل 160 مليار دولار تمثل مجموع الودائع المصرفية جاعلة من سياسة البنك المركزي سياسة نقدية انكماشية على مدى ربع قرن والتي اعتمدت الفوائد العالية فراكمت الديون على الخزينة وقلّصت حجم الاقتصاد وفرص العمل وهجرت قسراً شباب لبنان. فنسب الاحتياط الالزامي من اعلى النسب في العالم: 15% على الودائع بالدولار و25% على الودائع بالليرة ما يساوي نحو 30 مليار دولار تضاف اليها احتياطات اضافية بشكل ودائع مصرفية لدى البنك المركزي بنحو 50 مليار يدفع المركزي فوائد مدينة عليها تضاف الى الدين العام القائم البالغ 75 مليار دولار فيصبح مجموع الدين العام القائم 125 مليار دولار في مقابل ناتج محلي لا يتعدى الـ 53 مليار دولار، وهذا يدل بوضوح على عدم قدرة الاقتصاد توليد الواردات الضرورية للخزينة من أجل خدمة وتخفيف دينها تدريجياً. أما الطلب على النقد، فيتأثر ايجاباً بتراجع الدخل الحقيقي، واعتدال الفوائد وتوقع نسب عالية للتضخم، فالشركات تطلب النقد من اجل الاستثمار والافراد من أجل الاستهلاك، أما الاستثمار المنتج فهو دائماً محكوم بالعائد المتوقع عليه والذي يجب أن تفوق نسبته نسبة الفائدة المدينة لكي يتحقق وهذا ما لم نشهده كثيراً في لبنان خلال ربع قرن. وفي لبنان الفارق كبير جداً بين الناتج الحالي 53 مليار دولار والناتج الاحتمالي، ضعفه على الاقل". وهنا ينتقد يشوعي البنك المركزي، إذ يشير الى أن كل الوسائل المتاحة أمامه لعرض النقد الى نسبة الاحتياط الالزامي واعادة الحسم والفائدة المدينة على احتياطات المصارف لديه كلها صبّت ولا تزال في تقييد عرض النقد، ومنعه عن القطاع الخاص المنتج، والتسبب الدائم برفع الفوائد ونسبة البطالة. كما أن كل الفوائد والمكافآت التي دفعت للمستفيدين لزيادة الاحتياطات القائمة لا الصافية للبنك المركزي، أبقت على دولرة جزئية لكن مهمة للنقد. ولكن الدولرة مع التثبيت النقدي لم يستطيعا ان يحميا القدرة الشرائية للمداخيل الاسرية بسبب التضخّم المستورد والمحلي الذي تسبب الحصرية الخارجية والداخلية للتمثيل التجاري في لبنان.
أمام ما تقدم من حقائق، يعتبر يشوعي ان "سياسة البنك المركزي انكماشية وريعية تخالف نظام اقتصاد السوق بإلغاء سوقي القطع والنقد، كما هي انتقائية تدخلية تفضل قطاعاً على آخر وتدعمه متعدية على صلاحيات السلطة التنفيدية، فدعم القطاعات من صلب عمل الحكومات. أما المصارف المركزية عموماً فعليها أن توفر السيولة للجميع وبالشروط نفسها، لكن في لبنان كانت سياسة المركزي تمييزية متساهلة مع القطاع العام معرضة سلامة الودائع للخطر مع مدين غير مليء، ومتشددة الى ابعد الحدود مع القطاع الخاص. اضافة الى ذلك، فإن المركزي لم ينشر منذ عام 2002 حسابات الارباح والخسائر للمصرف، وانحرافية لأنها زادت انحرافات النتائج الاقتصادية. فعجز الميزان التجاري ارتفع خلال عقد من الزمن من مليار دولار الى 17 ملياراً راهناً بسبب غياب المرونة وانكماشية عرض النقد. فسياسة المركزي لم تساهم في بناء اقتصاد متين، لكنها تصرّفت كمن يبني على رمل فراهنت دائماً على التحويلات والاستثمارات الخارجية والريعية ورفد الاقتصاد بالحد الادنى من السيولة وعندما شحّت التحويلات، بدل أن يكون العوض الاقتصاد وصادراته، كان التعويض هرطقات مالية قامت كما درج المصرف على المكافآت الريعية المكلفة على الخزينة والاقتصاد والناس"، وهذا ما دفع بالامين العام لجمعية المصارف مكرم صادر الى القول في افتتاحية النشرة الشهرية لجمعية المصارف، في معرض كلامه عن أوروبا واليابان وعملية شرائهما الكثيف للأوراق الحكومية التي تحملها مصارفهم بأن "السياسة النقدية في لبنان لا تستطيع محاكاة مستويات منخفضة لمعدلات الفوائد خوفا على تثبيت النقد الذي أرسته طيلة ربع قرن بكلفة اقتصادية على حساب النمو وبكلفة اجتماعية على حساب العمالة والمداخيل".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard