"عودة الى الجذور"... برامج تتخطى ثقافة "الدبكة والتبولة" "الاكاديمية المارونية" تحقق "حلم" الشباب المغترب

22 تموز 2013 | 00:00

بلغ الخبر مسامع سيرج حداد. لوهلة اعتقد انه "حلم". الا ان الدور الذي اداه دير مار انطونيوس في مونتريال في تنسيق المشروع جعله يقتنع ان "الاحلام قابلة للتحول حقيقة". القصة التي شغلت سيرج واكثر من 25 لبنانيا يزورون وطنهم الصيف الجاري تختصر بـ"العودة الى الجذور". "الرأس المدبر" للبرنامج، "المؤسسة المارونية للانتشار". اما اليد اليمنى فيه، فتتمثل بـ"الاكاديمية المارونية".

كثيرة هي "حكايات" الموارنة والمسيحيين في الاغتراب. حكايات تختلط فيها روايات التكيف مع "الاجنبي" بالجذور اللبنانية، لتولد "خلطة" شباب ذاب في مجتمع متطور... حتى الابداع. الا ان اللافت ان الذوبان هذا لم يقض على حنين الاجيال الدائم الى اكتشاف جذورها اللبنانية عموما والمسيحية تحديدا. اكتشاف قد يذهب ابعد، في اتجاه اعادة التمركز في الوطن الام، اذا سنحت الظروف، كما قال كثر.
تسأل روبيرت القادم من سان فرنسيسكو عما يعني له ان يكون مارونيا، فيعطيك اجوبة مقنعة ولو غير مألوفة لبنانيا. فاللبناني الذي يعيش في الولايات المتحدة الاميركية، وغير الملم ربما بالخلفيات اللاهوتية لانتمائه، يبدع وشقيقته في شرح تمايزهما عن مجتمع خبراه افضل خبرة: "انا ماروني، انا مقاوم" يقول بلكنة اميركية - لبنانية، "اجدادنا لجأوا الى الجبال ذات مرة. هذا ما اخبرنا التاريخ. هناك، لم ينكسروا. باختصار، افهم المارونية ثباتا والتزاما."
تختلف الخلفيات الاجتماعية الاقتصادية للمهاجرين اللبنانيين الاوائل. بعضهم من عمل سائق تاكسي وبعضهم من انخرط في صناعات يدوية كالمجوهرات، فيما انصرف البعض الآخر الى افتتاح مطاعم او دخل عالم التجارة. غير ان اللافت، ان فك الارتباط بالوطن الام والذي استتبعه تأقلم مع المجتمعات المضيفة- ومعظمها غربي- ادى الى ولادة اجيال ثانية وثالثة مميزة ومثقفة، لا بل مبدعة.
بشغف، يتحدث سيرج عن تخصصه مع اشقائه في الطيران والعلاقات الدولية والمحاماة. وبلا هوادة، تسهب كاتي كوزيني من كاليفورنيا في شرح خلفيات اختيارها مهنة معالجة النطق او الـorthophoniste. وبلكنة مصرية - لبنانية، يتوسع فيكتور مسلم في الحديث عن انجازاته في مجال الصيدلة في مصر، فيما يشرح فرناندو شيكيفون المتخصص بعلم الادارة والعلاقات العامة تعطشه لاكتشاف جذوره، هو المكسيكي المتحدر من جذور لبنانية والذي سمع عن برنامج "العودة الى الجذور" عبر شبكة "الفايسبوك".
تسلط زيارات الشباب المغترب الضوء على كيفية استثمار هذه النشاطات في اعادة نسج الروابط القانونية مع لبنان، وتحديدا عبر استعادة الجنسية ومنحه حق الاقتراع. وفيما تبلغ تحويلات المغتربين سنويا 8 مليارات دولار، اي ما يناهز 25 في المئة من الناتج المحلي، تغدو معها المطالب القانونية- الانتخابية من البديهيات.
ومن زاوية قانونية - سياسية، يبلور عضو مكتب امناء "المؤسسة المارونية للانتشار" ورئيس "الاكاديمية المارونية" المحامي رولان عون هذه المقاربة بتركيزه على تطلع المؤسسة الى تسهيل تسجيل وقوعات اللبنانيين عبر تبسيط الاجراءات، الامر الذي يعزز التواصل مع الانتشار.
ما معنى ان تكون لبنانيا؟ من هم الموارنة؟ كيف يمكن ان يكون الشباب اللبناني رسولا وسفيرا للبنان، فيولد جيل قادر على حمل" القضية" ويحافظ على الهوية؟ ينطلق عون من هذه الاسئلة ليركز على هدف الاكاديمية المتمثل في "كودرة" الشباب، مع تشديده على ان "30 في المئة من طلاب الاكاديمية هم من غير الموارنة، مما يجعلها عابرة للمذاهب".
التواصل مع لبنانيي اميركا اللاتينية يكتسب راهنا اولوية لاعتبارات عدة، في مقدمها ان "الكتلة اللبنانية" التي تضم 7 الى 8 ملايين لبناني، لا تتعدى تحويلاتها المالية الـ2 في المئة، علما انه كان يفترض ان يوفر هذا التواصل المستمر ما لا يقل عن 4 مليارات، اسوة بالدول العربية.
امر آخر يستحضر في هذا الظرف ويتمثل في الوعود التي قطعتها الدول الغربية للبنان في مؤتمري "باريس 1و2". لبّها، ان الغرب جاهز للدخول "على خط" الدعم الاقتصادي، اذا وافقت الدولة اللبنانية على اعادة النظر في رزمة تشريعات مالية ضريبية. فهل توفير دعم اغترابي بالتوازي يبدو ضارا؟" يسأل عون.
في اي حال، قد توحي المبادرة للبعض ان الكنيسة المسيحية تستفيق من سبات عميق، بتنفيذها والمؤسسات الدائرة في فلكها مشاريع مماثلة، وسط غياب رسمي فاضح على هذا المستوى. الا ان الاب فادي كميد ينفي هذا المنحى مدللا على تعقب الرهبانيات خطوات اللبنانيين اينما حلوا.
وابعد من العامل الماروني في هذا الملف، يذكر عون بالدور الاشمل الذي يؤديه رئيس "المؤسسة المارونية للانتشار" الوزير السابق ميشال اده لجهة الحفاظ على الهوية الوطنية اللبنانية بكل عائلاتها الروحية، مثله مثل نائب رئيس المؤسسة نعمت افرام. والدور هذا مرشح للتفاعل في المرحلة المقبلة، كما يقول، انطلاقا من اسس ومعايير محددة. وتكفي الاشارة في هذا الاطار الى الامتحانات والدورات الالكترونية التي خضع لها الوفد الزائر قبل اختيار اعضائه، لتبيان الجهود التي تنصب لوقف "نزف الهجرة"، مع التركيز على النوعية والبعد التنموي للتحرك: "هو بعد يتجاوز حض المغترب على شراء ارض او تقديم وديعة مالية، الى حض العائدين على الانخراط في مشاريع تسعى الى توفير فرص عمل." ويبقى السؤال، هل تدشن برامج مماثلة مرحلة تعامل جديدة مع المغترب تتخطى "ثقافة الدبكة والتبولة" واستجداء المال الى تعديل التشريعات التي تساعد على انخراطه في المجتمع؟

rita.sfeir@annahar.com.lb Twitter:@SfeirRita

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard