الوجود المسيحي العربي عماد الثقافة الاسلامية

19 كانون الأول 2016 | 00:00

يمكن أن نحدّد دوراً مؤثراً وفاعلاً للمسيحية في الاسلام منذ ظهوره، إذ إن المسيحيين بكل مذاهبهم في الجزيرة العربية لم يواجهوا الاسلام ولا قاتلوا أتباعه، بل كانوا سنداً له، وما وفد النبي محمد الى نجاشي الحبشة إلّا دليلاً على ثقة النبي بأن هذا الوفد سيلقى الترحيب ويعود سالماً. ثم كان الدور الأول للمسيحيين في المشرق العربي بنقل الفكر الهليني والعلوم الى اللغة العربية ما أثرى الفكر العربي، الذين ساهموا في بنيانه تأليفاً وترجمة، فكان منهم علماء كثيرون، قامت على أكتافهم النهضة العربية في عصور الازدهار، خصوصاً الأموي والعباسي. والدور الأخير هو مواجهة التتريك في القرن التاسع عشر، حين سعى المسيحيون، ولا سيّما الرهبان في أديرتهم، إلى حفظ اللغة العربية وفكرها من التتريك، وما سيتبعه من تتريك للشعب، فولدت الأفكار القومية بكل تنويعاتها لمواجهة التأسلم العثماني بغاية السيطرة على العرب سياسياً بطمس فكرهم ولغتهم. ويمكن أن نعتبر أنّ هذه المرحلة ما زالت مستمرة حتى اليوم، إذ يحافظ المسيحيون على دورهم في حفظ العربية والارتقاء بها، وفي بعث الحياة في الجذور القومية في مواجهة التطرف الاسلامي المستشري بتأثير أفكار متخلفة وإقصائية لا تتقبل الآخر، حتى المسلم الذي لا يرضخ لفكرهم المنحرف، ولمواجهة سياسة تركية – عثمانية جديدة تسعى للعودة بالتاريخ الى الوراء.لماذا يطمس دور المسيحيين في النهضة العربية منذ ما قبل الاسلام وحتى الآن؟

قرأت مقالاً لمعن البياري ("العربي الجديد" 9 أيلول 2016) يتناول فيه حاتم الطائي الذي ضربت به العرب المثل كرماً وجوداً، ويقول أنه حتى وقت قريب علم أنّ حاتماً كان مسيحياً، ويتساءل: "لماذا خبّأوا ولا يزالون يخبئون أنّ عربياً بهذه الاسطورية في مناقبه، كان مسيحياً... هل حسبانه وثنياً، أو لا يكترث بأي عبادة يصيّر صورته في أفهامنا أفضل من أن يكون مسيحياً؟"، ويقول: أخبرونا كل شيء عنه، وأنه مضرب المثل في الكرم، لكن لم يخبرونا أنه مسيحي". ويتوجه إلى "التافهين" في المنطقة "ممن يستسهلون التمنّن على أهلنا المسيحيين والانتقاص منهم أن يسمعوا أنه لولا العرب المسيحيون لما عرفت الأمة نهوض التعليم في غير بلد في المشرق العربي...".
ويلفت الى هذه الأيام "التي تتواتر فيها بلا توقف وقائع تجرؤ مرفوض على أهلنا المسيحيين"، ويقول: "يصير التأكيد أنهم شركاؤنا في بلادنا وأنهم ملح الأرض أمراً شديد الالحاح والوجوب في هذا الزمن الأغبر".
يساهم كتاب "المسيحية العربية والمشرقية" للارشمندريت اغابيوس جورج أبو سعدى المخلّصي، في الكشف عن الوجود المسيحي في الجزيرة العربية قبل الاسلام وبعده، منذ زمن النبي مروراً بعهود الخلافة والدويلات والممالك حتى الحكم العثماني، ويظهر دور المسيحيين في النهضة العربية والثورة الكبرى في العصر الحديث. ويناقش أفكاراً تتعلق بإشكالية التنوع وقبول الآخر وبمخاوف المسيحيين وواقعهم في ظل ما سمي "الربيع العربي"، وآفاق الحوار المسيحي – الاسلامي.
وتعدّ هذه الدراسة التاريخية إضافة مهمة الى كتب وأبحاث أكاديمية سابقة تناولت موضوع المسيحية العربية ودور المسيحيين العرب، ومنها: "المسيحية العربية تاريخها وتراثها" للأب ميشال نجم، "المسيحية والحضارة العربية" للأب جورج شحاته قنواتي، "تاريخ المسيحية العربية" لسلوى بالحاج، "القبائل العربية المسيحية في بلاد الشام" للارشمندريت اغناطيوس ديك، "المسيحيون العرب وفكرة القومية العربية في بلاد الشام ومصر" لفدوى أحمد عبيدات"، "المسيحية في العالم العربي" للحسن بن طلال الأمير الأردني.
ما زال المسيحيّون عصب الشرق
لن يكون لهذا الكتاب، ولا للكتابة عنه، أي معنى، إذا لم يحسن خدمة فكرة أنّ المسيحيين العرب هم أساس في الوجود الاسلامي اللاحق لهم زمنياً، وفي بنيانه الحضاري الذي ما كان له أن يشاد لولاهم، وإنهم ما زالوا عصب هذا الشرق وجوهره، ووجودهم فيه حتمي مهما تعاظم التطرف الإسلامي حولهم، وقد عبر وجودهم في التاريخ منعطفات خطرة تجاوزوها واستمروا، وهذا ما يجب أن يكون في هذه المرحلة العصيبة من تاريخهم الوجودي.
كل ما شاهدناه في العراق وسوريا من تعديات لا توصف واقتلاع حضارات عمرها خمسة آلاف سنة، من جذورها، وهذا ما لم يحدث في تاريخ أو جغرافيا في كل العالم، وعلى الرغم من ذلك يجب أن يكافح المسيحيون ويناضلوا كي تبقى شعلة المسيحية في الشرق قائمة، وإلّا إذا انطفأت فستنطفئ شعلة الإسلام المشرقي، بمعنى الإسلام العربي، تباعاً. لذلك قال الحسن بن طلال: "لا يدور السؤال الآن حول مستقبل المسيحيين العرب، وإنّما العرب جميعاً ومصيرهم المشترك". (كلامه ورد في مقدمة كتاب "المسيحية العربية والمشرقية").
إنّ العرب المسيحيين ليسوا أغراباً عن المجتمع الإسلامي في بلادهم، لأنهم أصل هذا المجتمع كانوا دوماً الطليعة الحضارية التي قامت عليها شعوب وقوميات واتنيات.
إنّ المواجهة المستحيلة لـ"داعش" تصبح ممكنة إذا واجهناها بأفكار جديدة تقوم على إيديولوجيا عربية خالصة، ليست إسلامية ولا مسيحية، إنما حضارية مجرّدة، وإن بنيت على الثقافتين معاً. إنّ مواجهة فكر "داعش" المتأسلم بأفكار من الدين الاسلامي، هي مواجهة تكون فيها الغلبة للفكر المتطرّف. هكذا في التاريخ. أما مواجهته بفكر حضاري مغاير ومختلف، يمكّن من الانتصار عليه، وليس الفكر البديل إلّا فكر القومية العربية الجديدة التي يجب أن يبنيها المسلمون والمسيحيون على كتابات حضارية خالصة وراقية، تتجاوز أدبيات الأحزاب القومية سواء التي تسلّمت السلطة أم لا.
إنّ الفكر العروبي القومي الحضاري هو المؤهّل لمواجهة دين "داعش" التكفيري التهجيري الذي ينتهك حرمات الآخرين ومقدساتهم، على أن لا تكون المواجهة بالضرورة من المسيحيين، بل من المسلمين أنفسهم الذين يخالفون تنظيم "داعش" نظرته الدينية عموماً، لأنها تنحرف عن الاسلام الرسمي والتقليدي الذي يسمو إلى الارتقاء بالانسان والمجتمع الى مصاف المجتمعات الراقية، بصرف النظر عن آيات وتفسيرات يتجاوزها الزمن في كل دين وإيديولوجيا وفكر.
فلنتجاوز فكرة أنّ الدين، اليهودي أو المسيحي أو الاسلامي، وجد فكراً وتنظيماً لكل زمان ومكان، فهذا خارج السياق التاريخي والمنطق الذي يحكم التحوّلات الكونيّة، وما الاكتشافات الفلكية التي تتحدث عن أنّ الكون ما زال يتكوّن، ولم ينتهِ، إلّا أبرز دليل على أن كواكب ما زالت تتوالد ومجرّات تتكوّن في عالم لا متناهٍ فعلاً، منذ مليارات السنين، وهذا يناقض الرواية الدينية عن خلق العالم في ستة أيام!

[email protected]

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard